الصفحات
الكاملة
تيوب
الدستور
رسالة جلالة
الملك للدستور
موقع
زوار الأردن
موقع
جلالة الملكة
موقع
جلالة الملك

«طريق الحرير» ليوسف ضمرة.. جماليات القصة التعبيرية

تم نشره في الجمعة 28 تشرين الأول / أكتوبر 2016. 12:05 صباحاً - آخر تعديل في الجمعة 28 تشرين الأول / أكتوبر 2016. 12:11 صباحاً
د. محمد عبيد الله *

(طريق الحرير) عنوان مجموعة للقاص يوسف ضمرة (مواليد عقبة جبر، أريحا، 1953)، وهي المجموعة التاسعة له في مسيرة متميزة بدأها بمجموعة: العربات الصادرة عن اتحاد الكتاب العرب في سوريا عام 1979 وكانت إيذانا جادا وواضحا بميلاد قاص متميز لم يخف عبد الرحمن ياغي في إحدى مقالاته فرحه وابتهاجه بميلاده القصصي، وبالفعل كانت انطلاقة متألقة تبعتها مجموعاته الأخرى التي كرست اسمه ضمن أبرز الأسماء الأردنية والفلسطينية التي تخصصت في كتابة القصة القصيرة، وهو من ذلك النفر القليل من القصاصين ممن لم يهاجروا إلى الرواية رغم إغراءاتها، باستثناء رواية قصيرة (نوفيلا) حملت عنوان: سحب الفوضى. وأصدر بعد (طريق الحرير) مجموعة عاشرة بعنوان: مراوغون قساة (2014) تحتاج إلى قراءة مستقلة، وكذلك مجموعته الأحدث المخطوطة التي توجت منفردة بجائزة وزارة الثقافة الأردنية للإبداع في مجال القصة القصيرة.

أما (طريق الحرير) فخطوة أخرى ضمن المرحلة التعبيرية التي مالت إليها تجربة ضمرة بتجاوز حدود الواقعية إلى آفاق تعبيرية متنوعة، وقد تبدت واضحة في مجموعاته: عنقود حامض/1993، وأشجار دائمة العري/2002. أي أنه مع نهاية الثمانينات التفت إلى أن حدود القصة تختلف كثيرا عن حدود النظرية السياسية والاجتماعية وعن منطوقات الواقعية. ولقد كتب ضمرة قصصا واقعية وثورية كثيرة استجابت لمنطق الواقعية في المرحلة الأولى من إنتاجه، ولكن الكاتب الملتزم بفنه لا يلزم طريقة واحدة، وإنما يحافظ على قلق الإبداع الذي يحركه دوما للتفكير في كتابته، فضلا عن مواكبة تحولات الفكر والواقع والمجتمع، وما يعكسه ذلك من تحولات الكتابة نفسها. ولقد أدت الواقعية –عند ضمرة وغيره- غاياتها، وتبعتها تحولات كبرى كان لها تأثيراتها الأدبية والفكرية.
تتكون (طريق الحرير) شكليا من اثني عشر عنوانا وفق تقسيمات المؤف، وإذا أخذنا بالاعتبار أن عنوانين منهما (لوحات، قصص حب) يتفرع كل منهما إلى خمسة عناوين فرعية فيغدو عدد القصص اثنتين وعشرين قصة قصيرة، تميل إلى القصر والكثافة وإلى الاقتصاد في التعبير مستفيدة من المنظور الشعري ليس على المستوى اللغوي فحسب وإنما من ناحية ما يتيحه من إمكانيات التلخيص الفني والتكثيف التعبيري، فلا تتصدى القصة لتقول أشياء كثيرة ولا تميل إلى الثرثرة، وإنما تميل إلى الالتزام بإيقاع نفسي وشعري وداخلي محدد يضبط التفاصيل المسردوة ويترك ما لا يدخل في حيزها للقارئ، وتبعا لذلك لا تعتني القصة بالخلفيات الاجتماعية ولا بالتفاصيل الواقعية ولا حتى بإضاءة الشخصية وتصويرها كما هو مألوف في الكتابة القصصية الاعتيادية، وإنما تميل إلى الاقتصاد في كل ذلك، وإلى التعبير عن المحتوى الوجداني والنفسي، وعن بلاغة الداخل الإنساني أكثر من الواقع.
بلاغة التذويت:
السرد في أصله أكثر اتصالا بالعالم الموضوعي من الذاتي، وهناك استعارة شائعة تذهب إلى أن القاص ينظر من النافذة بينما ينظر الشاعر في المرآة، هذه الاستعارة التي تميز عادة تمييزا مدرسيا بين الشعر والقصة أصبحت من استعارات الماضي في ضوء الكتابات القصصية الراهنة، ويؤذن ذلك بتحول القصة إلى الغنائية والشعرية، ودمجها بين العالم والذات في بؤرة واحدة، بحيث ينظر القاص في المرآة ليرى نفسه وينظر في داخله ليرى أثر العالم كما يحس هو به، وليس كما هو موجود فعلا. ولهذا التحول الذي وسم قصص هذه المجموعة، كما وسم إنتاجات كثيرة في الوقت الراهن، دلالات فكرية وفلسفية تتصل بعلاقة الذات بالعالم وبإمكانية الفصل بينهما، كما له صلة برحيل الفلسفات الكبرى التي حاولت تقديم تفسيرات كلية للعالم، ليحل السؤال مكان الجواب ويحل القلق مكان الطمأنينة. وأما ما يتبع هذا المبدأ فأمور كثيرة من مثل: سيطرة الراوي المتكلم وانسحاب أشكال السرد الأخرى، ولقد كان الراوي المتكلم خجولا قليل الحضور فيما مضى من عقود، وكان الشعر خيطا صغيرا في طائفة من القصص أو عند عدد قليل من الكتاب، ولكن حالة القصة مختلفة في أيامنا، فالراوي المتكلم غدا سيد الرواة وأكثرهم حضورا، وهو يفتح أفق السرد على التجربة الذاتية وليس على المراقبة والمعاينة، أي على مرآة الداخل وليس المرآة الواقعية التي تعكس صور الأشياء، وحتى لو كان هذا الراوي يتأمل أو ينظر من النافذة أو الشرفة –كما في بعض قصص ضمرة-فإنه لا يرى إلا ما يريد، امرأة أو شجرة أو شيئا ما، وهو لا يرصد إلا القليل من الأشياء مقابل اتساع التعبير عن أثر الشيء أو الكائن أكثر من الشيء نفسه، أي أنه يترك الحدود «الواقعية» الفعلية ليكتب لنا أثرها وتصوره لها، بحرية ودون قيود أو تنميطات مسبقة.
مبدأ الهاجس المسيطر والمستبد:
تبعا لمذهب التذويت تأخذ الشخصيات أو الشخصية الوحيدة غالبا صورة «أنا» الراوي المتكلم التي تختلط بالكاتب، رغم محاولتنا كقراء أن لا نخلطها ولكنه يصر على الخلط خلافا لمبادئ السرد المكرس التي تفصل الراوي عن الكاتب، إنها أنا الكتابة والكاتب دون مواربة ولكنها في حالة المتخيل وفي صورتها غير الواقعية وغير اليومية، إنها في فسحتها الشعرية القلقة، وهذه الذات يحركها في كل قصة هاجس يستبد بها ويسيطر عليها، وهو هاجس يصعب تفسيره واقعيا أو عبر تفاصيل القصة، بل هو هاجس قادم من الداخل، من أقاصي تلك الذات وطوابقها الغائرة، وخطورة الهاجس هنا أنه يحكم سلوكها كما يحكم مسيرة القصة فلا تخضع إلا لمنطق الداخل والمخيلة منصرفة عن أية مؤثرات أخرى. وقد يكون هذا الهاجس خاطرا يمر في البال ثم سريعا ما يستبد بالأنا، وقد يكون مسببا بأمر خارجي هامشي لكنه يكبر حتى يكاد يصيب الشخصية بالجنون.
اللوحات القصصية أو السرد التشكيلي
وفي المجموعة قصص تعمد إلى نوع من السرد المبني على التناص مع لوحات أو صور غير مسماة أو محددة، وإنما تكتفي القصة بوصف اللوحات والصور وبالتفاعل السردي معها، القصة هنا محاولة لتسريد اللوحة، والتصرف بمشهدها الثابت المؤطر إلى حكاية غير مؤطرة تسمح بها اللغة، فعل القاص ذلك بوقفته مع لوحة لشخصية «أنا كارنينا» -بطلة الرواية الشهيرة لتولستوي- محاولا تجنيبها الانتحار والموت بين عربتي القطار، وبما أن اللوحة تصور مشهد انتظارها مرور العربات فقد أراد لها أن تنتظر أبدا ولا تقفز، ولذلك مزق الرواية رواية تولستوي في فعل ينم عن موقف تخيلي نقدي يريد تناسي النهاية التي وضعها تولستوي إلى نهاية أخرى تسمح للشخصية أن تحيا في الصورة والقصة.
وكذلك فعل عندما توقف أمام لوحة تصوّر دون كيخوته وتابعه سانشو بانزا، ولكن الكاتب ترك البطل الرئيسي وتناول الشخصية التابعة أو الهامشية، ليفكّر في مصيرها، ويعمد الراوي المتأمل أخيرا إلى إخفاء صورة السيد ليبقي سانشو بانزا مستقلا حرا مكتملا، كأنه يريد له أن يظهر وأن يعلن عن ذاته، ولا يمكن ذلك إلا في غياب دون كيخوته المسيطر على القصة واللوحة كلتيهما. وهناك لوحة ثالثة عن مشهد الظل، أي عن الصورة الطبيعية التي تنشأ من ظاهرة الظل، وينشغل الراوي بظله أكثر من انشغاله بنفسه، وتدخل القصة في لمسات عجائبية عندما يتوقف التلازم بين الشخص والظل ويتحرك الظل مستقلا، كأنه مل صاحبه وأراد أن يستقل عنه ويتحرر منه، وتنتهي بأن يفقد الشخص ظله أي بما يذكرنا بالرجل الذي فقد ظله لفتحي غانم، ولكن على مستوى القصة القصيرة وليس الرواية. وبصياغة بعيدة ربما أفادت من عنوان الكتاب فقط وحولته إلى قصة قصيرة.
أما المرآة فلها أيضا لوحتها وتذكرنا هذه القصة ببلاغة المرآة في الشعر والسرد، كما تذكرنا مجددا بما سبق وذكرناه عن مرآة الشاعر ونافذة القاص، المرآة هنا مشروخة متصدعة هي ذاتها المرآة المشروخة في مجموعة «الأشجار دائمة العري» لم يجر تبديلها ولا تجديدها فلا شيء تغير حتى تتغير المرآة. واللوحة الخامسة هي اللوحة التي حملت المجموعة اسمها «طريق الحرير» عن لوحة قماشية صغيرة جاءت مع الراوي من الصين، وأما تسميتها فجاءت باستعارة اسم الطريق التجاري الثقافي القديم «طريق الحرير». وتتذكر القصة هذا الطريق وتراه في لوحة الحرير المطرزة الصغيرة، كأنها ذاكرة للزمن البعيد، وأمارة أو علامة على التاريخ البليغ بما فيه من ذكريات وأحوال ووجوه. تغدو العلاقة بين الراوي ولوحته علاقة في غاية الخصوصية من شدة تأملها ومصاحبتها، وعندما يخبئها تحت تأثير سخرية صديقه وتذكيره بالزمن الراهن فإنه لا يستطيع منع نفسه من البكاء، كأنه قد حبس طريق الحرير كلها في حيز الدرج الصغير. القصة هنا وفي اللوحات الأخرى تعيش على الاستئناف السردي الذي ينشأ من صورة أو لوحة، ومن دلالات المرئي ليتحول إلى راهن في وجدان الراوي والقاص، وفي كل ذلك محاولة للانتصار على الزمن وعلى طريقته اللئيمة في العبور.
قصص (طريق الحرير) تقدم اقتراحات وقراءات مختلفة للشخصيات والظواهر التي تتأسس عليها، وتمنحنا فرصة التعرف على إمكانات المخيلة السردية عندما تتجاوز النمطي والسائد، بحثا عن بلاغة المتخيل الفردي. ونلاحظ أن فكرة الحرية واستقلال الفرد هي ما يحرك القاص وقصصه، وهي هواجس تأملية تنتمي إلى التعبيرية القصصية التي تختار أساليب مواربة ومختلفة للتعبير عن الإنسان.

* ناقد وشاعر من الأردن
رئيس مجلس الإدارة: محمد داوودية - رئيس التحرير المسؤول: مصطفي الريالات - المدير العام: الدكتور حسين العموش