الصفحات
الكاملة
تيوب
الدستور
رسالة جلالة
الملك للدستور
موقع
زوار الأردن
موقع
جلالة الملكة
موقع
جلالة الملك

أمينة العدوان.. جمال الشعر في مواجهة الإرهاب

تم نشره في الجمعة 28 تشرين الأول / أكتوبر 2016. 12:04 صباحاً - آخر تعديل في الجمعة 28 تشرين الأول / أكتوبر 2016. 12:12 صباحاً
محمد المشايخ *

ضمن التزامها بمهموم وطنها وأمتها، بعيدا عن الشعارات والكليشيهات، تعلن الشاعرة أمينة العدوان»عضو الهيئة التأسيسية لرابطة الكتاب الأردنيين عام1974» عبر كتابها الثاني والأربعين، والمتمثل في ديوانها الجديد(انتفاضة القدس – الربيع يغزو)، أن الممارسات والانتهاكات الإسرائيلية، لن تزيد الشعب المقاوم إلا إصرارا على الحياة:(وطني/ وهو ما يزال/ يسحب دمه/ لكي لا يرحل/ أزوده/ بالدماء).

أمينة العدوان التي قالت عنها الناقدة د. رفقة دوادين قبل رحيلها: (تتمظهر هندسة الكتابة في إبداع أمينة العدوان في صورة ثابت ومتحرك، فالثابت في كل القصائد هو احتلال فلسطين ومعاناة أهلها، وآمالهم في التحرر والحياة الكريمة، في حين أن العديد من القضايا الأخرى التي تتوزع بين الخاص والعام قابلة للتنويع عليها)، أمينة نفسها ترى ان الانتهاكات الإسرائيلية لن تزيد القضية الفلسطينية إلا حضورا وتوهـّجا في المحافل الدولية، بدليل القرارات التاريخية، التي اتخذتها المحافل الدولية مؤخرا، ومنها قرار اليونسكو أن ليس لليهود أي اثر تاريخي في القدس وخاصة في المسجد الأقصى، وقبل ذلك،القرار الذي تبنته الجمعية العامة للأمم المتحدة برفع تمثيل فلسطين لدولة مراقب،وبرفع علم فلسطين على مقار الأمم المتحدة،وأيضا قرار محكمة العدل الدولية بإلزام الكيان الصهيوني بالتوقف فورا عن أعمال بناء جدار الفصل العنصري، والقيام بتفكيكه على الفور وإلغاء الإجراءات التشريعية والتنظيمية المتعلقة ببنائه، هذا عدا عن توقف أمينة في قصائدها عند تعاطف الكثير من دول العالم مع القضايا الوطنية العربية، عبر شعوبها وجمعيات حقوق الإنسان فيها، والتي لم تتوقف عن مناصرتها للقضية الفلسطينية، ورفضها للحصار والتدمير والاغتيال اليومي الذي يقع على الشعب الفلسطيني عبر هدم البيوت وبناء المستعمرات، وجرائم الحرب في غزة التي تضمنها تقرير غولدستون، وهذه قصيدة تبدأ بجرائم حرب، وتنتهي بمحاكمة الاحتلال، تقول فيها الشاعرة أمينة العدوان تحت عنوان الشهيد «علاء أبو جمل»: (عزفت أغنية/ لا تشيعني/ ولا تسر في جنازتي/ ولوطن لا يؤخذ مني/ هذا ما أحاربه/ إنه تاريخي/ وحروبنا لا نكتب/ إلا هذه الكلمات/ عن رفضي/ هكذا الحرائق/ لا تشتعل بأطفالي/ هكذا السماء/ لا تمطر قنابل/ نابالم وعنقودية/ هكذا دماؤنا/ وأشلاؤنا/ تغسل الشوارع/ هكذا كلماتنا/ تشير إلى جرائم حرب/ بالمحاكم بالمحاكم نأتي).
تـُلخـّص أمينة العدوان في ديوانها هذا، موقفها على ضوء تأثرها بما جرى ويجري فتقول في قصيدتها عن الشهيد»محمد ابوخلف»:(أأنا الطيور التي تطاردها الرياح تتعلق بالأجنحة/ أأنا المباني التي تتعرض للعواصف تتعلق بأوتادها لكي لا تقع/ أأنا اليد التي تحمل النار ضوء شعلة لكي لا تصبح الرماد وظلمة لا تنحسر/ أأنا القيود أكسر لكي لا تذهب الأيدي/ أأنا حجارة بيتي المهدوم ألقيه على المستوطنة لكي لا أقيم على الأنقاض/ أأنا السكين وقد جعلني طعناته والجراح والنهر الذي سرقه لم يعد إلا ماء يتسرب من يده يتسرب).
وتـُظهر أمينة العدوان حاجة الشعب تحت الاحتلال إلى العدل، ووقف الظلم ومواجهته، وتوضح سبب اندلاع الانتفاضة، إذ لم يعد الشعب يحتمل، وتتحدث شعرا عن استشهادهم، وعن مواجهتهم، وإحداثهم الكثير من التطورات في القضية الفلسطينية، الأمر الذي جعل الضمير العالمي يستيقظ لنصرتهم بعد أن أدهشتهم وقائعها: تقول الشاعرة على لسان الشهيد نشأت ملحم(كيف تحولت حياتنا حين أتى إلى الأسوأ/ كيف أصبحت الأنقاض البيوت/ والحقول القحط/ والعراء المأوى/ والرياح الباردة/ النار والدفء/ والشعلة الرماد/ والقيود الأيدي/ والأبواب أقفالا/ والخبز الجوع/ والأعراس الجنازات/ والبحار الرمال/ وبريق العيون الدموع/ والحدائق أسلاكا شائكة وجدارا/ وكيف كيف/ كيف لم أعد/ إلا طعناته والجراح/ فأصبحت السكين).
هذا الديوان نداء وصرخة للضمير العالمي ليوقف العدو ممارساته، وظلمه وتعذيبه، الذي عبر الشعب عن رفضه له في المساجد وفي الشوارع وفي المظاهرات، وفي جنازات الشهداء، كما أبرزت الشاعرة الروح الجميلة للمناضلين وما فيها من عزة نفس وشجاعة،وهي ترى في انتفاضة القدس طوق نجاة في مواجهة تفاصيل العدوان اليومي، فتقول في قصيدتها»شهداء فلسطين»:(هنا في هذه المواجهة/ يتساءل النهار وهو يطارد الليل/ يتساءل العدل وهو يحارب الظلم/ ترى القيود ما معنى الأجنحة/ ويعرف الغبار ما معنى الهواء/ وتعرف الأسلحة الثقيلة ما معنى أن يكون الفرد سلاحا/ ويعرف الرعب كيف يصبح الرعب مرعوبا/ ويعرف الجحيم نيرانه خامدة وحرائقه مطفأة/ وتعرف الجرافة والبيت المهدوم أي حجارة عليه تلقى/ ويعرف ما معنى اليد القيد تكسر/ ويعرف الطغاة ما معنى أن نكون للغرقى طوق نجاة/ وما معنى المشنقة وهو على سيف مكسور وحبل مقطوع/ تقرأ أسماؤنا التوقيع).
والشاعرة أمينة العدوان، التي رأى أ.د.عبد الرحمن ياغي أنها أول شاعرة أبدعت قصائد الأبغرام، بينما رأى د.عبد الفتاح النجار أنها أول من كتبت قصيدة التوقيعة،والتي غنّت لها الفنانة الوطنية عائدة الأميركاني عددا من قصائدها،وكانت رئيسة تحرير مجلات أفكار وصوت الجيل وفنون في ثمانينات القرن الماضي، وكانت لها مشاركاتها في الحركة النسائية الأردنية عبر عضويتها في الاتحاد النسائي الأردني السابق، أمينة نفسها شاعرة منحازة للمقاومة، وتوثق شعرا، بعيدا عن المباشرة والتسجيل،ما يجري يوميا على الأرض، عبر تأثـّرها لما تشاهده وتصغي إليه عبر الفضائيات،تقول في قصيدتها التي حملت عنوان الشهيد «محمد الفقيه»: (أنا الشهيد/ من النار أكون الشعلة/ لا رمادها/ حين ارادنا الاحتراق/ ومن البيوت أكون حجارتها/ لكي لا تكون الأنقاض/ بيتا لي/ ومن النهار ضوءه/ حين لا يأتي/ إلا ليل طويل/ ومن العلم ساريته/ حين تطوي العلم/ وتغيّر الوانه/ والاشارة حين تجعل/ متاهات الطرق/ والتيه المارة/ وأنا الكلمات/ لا الصمت أنادي/ لكي لا تقول/ وأنا ارتجف من البرد/ إن العراء هو الرداء/ وإن النار والماء واحد/ وتكون احتراقا ورماد/ والهوية لكي لا تكون / الكائنات بلا اسماء/ وأنا للوطن/ أكتب اسمه الحقيقي/ حين غيّرت اسمه/ فطوبى لدمي/ كان القلم).
وفي محاولة منها للتأثير على التنويريين في أمتها، سعيا منها لإيقاظهم ودفعهم للصحو، ولاتخاذ الإجراءات المطلوبة لوقف العدوان، نجدها ترفع من مكانة المقاومين، ومن سقط منهم شهداء، أو تعرضوا للأسر أو الجرح، أو طالت الانتهاكات أرضهم وعرضهم ومقدساتهم، وأصابتهم بالضرر ماديا ومعنويا،صحيح انها في بعض الأحيان تأخذ نماذج فردية وتذكرها بالأسماء، ولكنها بالشكل العام منحازة للأرض الفلسطينية ومن عليها/ وهذه قصيدة الشهيد «محمد القيق» تلخـّص المشهد كله: (البيوت ينتزعها من أمكنتها/ الأمكنة تضيع/ الاسم يبعثر حروفه/ العناوين تمحى/ الحياة تغتال/ الموت ينمو/ المستقبل ينأى/ القهر أبواب توصد/ الحلم أرق لا يغفو/ وهو ما يزال يخاف/ من كلمات أقوالها تدينه/ ويقول لي/ اصمت اصمت/ الم يعلو صوته/ فأصرخ).
وتنتصر الشاعرة أمينة العدوان للطفل الفلسطيني، مبرزة معاناته نتيجة الاحتلال، وإحساسه بمعاناة أهله ووطنه، وتستعرض شعرا الأحداث التي تنقله من الطفولة إلى الشيخوخة، ومن ربيع العمر إلى خريفه، فتقول: (الطفل على أسرته المقتولة/ كم بدموع وغضبه/ حقيبته تمتلئ/ إن كنت سبب كل هذه الآلام/ وقد انتزعت قلبه/ فقلبه على أبيه المقتول وقع/ كم كبر الطفل/ كم شاخ في ربيعه/ كأنه خريف الفصول/ فالورود في يدك/ تذبل/ هكذا اصبحت الزهور/ تبحث عن اشواكها/ وعاد الربيع يغزو)، وتقول في قصيدتها»حنان الحروب»عن الطفل: (ابني/ منذ أن أطـّر المحتل/ صورة والده بالسواد/ لم يعد يشرب/ إلا الدموع/ سرت به نحو النهر/ بعيدا عن ذلك/ الذي يجفف/ الينابيع والآبار/ فهرع إليه الماء).
وعدا عن الطفل، فإن للمرأة الفلسطينية خصوصية لدى الشاعرة، فهي الشهيدة وأم الشهداء، تقول تحت عنوان»شهيدات فلسطين»: (والشوارع / من دماء الأبناء تفيض/ يا لدموع الأمهات/ لا تنهمري إلا مطرا)، وتعطي للمرأة الفلسطينية بعدا قوميا رافضا لسبي النساء ومعترضا على هدر كرامتهن، فتقول: (أسمع صراخا/ أمام من جعل النساء سبايا/ صوت هدى شعراوي/ وليلى خالد/ وجوليا بطرس/ يعترض)
وتنتقد الشاعرة أمينة العدوان،التي قال عنها د.عماد الضمور انها (شاعرة راسخة الجذور في القصيدة الأردنية المعاصرة، وأنها لم تتوقف عن إصدار مجموعاتها الشعرية منذ الثمانينات من القرن المنصرم، فضلا عن كتاباتها النقدية، ومشاركتها الفاعلة في الحركة الأدبية الأردنية بوصفها صاحبة تجربة فكرية وحياتية خصبة)، تنتقد ما تنفذه سلطات الاحتلال من حصار ودمار وإفناء وتجويع واعتداء على المقدسات، وهدم ما تم بناؤه من منازل ومؤسسات تربوية واقتصادية واجتماعية، عدا عن الاعتقال والاغتيال اليومي الذي يقع على الشعب والاعلاميين الذين يغطون انتهاكاته فتقول تحت عنوان»مطاردة الصحفيين»:أمام كاتم الصوت/ الذي حمله/ تكلمت/ لم ألتزم الصمت/ وكلمات لم تضع/ اشارت على الجريمة/ وارى المحاكم تتكاثر)، ومعظم قصائد هذا الديوان تبرز كبرياء وكرامة الذين أنهكتهم الممارسات الصهيونية، فتقول على لسانهم: ( دوما نجدنا/ أمام بيوتنا المهدومة/ في مظاهرة واعتصام/ ارفض أن أصبح/ ضيفا في بيتي).
وتـُظهر الشاعرة أمينة العدوان، التي سبق لها أن أبدعت ديوان «وجوه عربية» الذي ترجمه الدكتور ماكدونالد رئيس قسم الاستشراق في جامعة ادنبرا، والدكتور عبدالله الشحام، و صار من محتويات مكتبة الكونجرس،تظهر قصة آلاف البيوت التي هدمت، وآلاف الأشجار التي اقتلعت، والمصانع التي أغلقت، قصة شعب يعاني ويتألم ولا حد لألمه من قمع وظلم وإذلال، شعب لم تعد له إلا الشهادة،لكي يسترد وطنه، فتأتي المقاومة، وتكون انتفاضة القدس،وتعلن الرفض، رفض هذا الموت وتلك الإبادة،رفض الاحتلال الذي يريد وطنا بلا شعب ولا ثقافة ولا إبداع ولا تاريخ ولا حياة ولا طعام ولا شراب ولا عمل ولا هوية، تقول: (أنا الشهيد/ دمائي لم تذهب هدرا/ ويدي بلا قيد/ حرة حرة/ قبل أن أذهب)، وتؤكد أمينة أن انتفاضة القدس بشـّرت بمرحلة من البطولات والتضحيات والمقاومة الصلبة، فهي تقول الشاعرة في قصيدتها»شهداء فلسطين»:(هنا في هذه المواجهة/ ترى القيود ما معنى الأجنحة/ ويعرف الغبار ما معنى الهواء/ وتعرف الأسلحة الثقيلة ما معنى أن يكون الفرد سلاحا/ ويعرف الرعب كيف يصبح الرعب مرعوبا/ ويعرف الجحيم نيرانه خامدة وحرائقه مطفأة/ وتعرف الجرافة والبيت المهدوم أي حجارة عليه تلقى/ ويعرف ما معنى اليد القيد تكسر/ ويعرف الطغاة ما معنى أن نكون للغرقى طوق نجاة/ وما معنى المشنقة وهو على سيف مكسور وحبل مقطوع/ يقرأ اسماءنا التوقيع).
وبدت أمينة العدوان، في ديوانها هذا مثلما هي في شعرها كله جزءا من تيار عربي يقاوم الظلم والاحتلال، وينتصر للمقاومة، وللشخصيات الوطنية الفلسطينية،فتذكرها بالأسماء، وتـُبرز دورها في المواجهة، وتؤكد أن الإنسان الفلسطيني الذي حاول العدو اقتلاعه من تاريخه وجغرافيته، من بيته، تجلى لديه الصمود في وطنه، إلى جانب المقاومة، ورفض التهجير.
ويضاف هذا الديوان، إلى جملة من الدواوين السابقة التي أبدعتها الشاعرة أمينة العدوان ضمن مشروعها الشعري الذي التزمت من خلاله بالهموم الوطنية لأمتها، وتحديدا قضية فلسطين، التي تعتبرها قضية تشكل وجدان كل عربي، وهي ترى من خلال شعرها المكرس للانتفاضات المتعاقبة، رفض الشعب الفلسطيني للاقتلاع والإبادة، وإنجابه للمقاومين الذين بنضالهم زرعوا الشجرة المقتلعة، وبنوا البيت المهدوم، ورفعوا العلم الذي أراد الاحتلال طيه، ويتبدى في قصائدها آلاف الأسرى والشهداء والجرحى، وكلّ من يحمل ثوبا أو حجرا أو كتابا أو خارطة أو مسرحية أو بندقية أو فيلما عن فلسطين، التي حوّلها الاحتلال إلى قفص وحاجز وجدار عازل وأسلاك شائكة، وكلها رموز للعبودية،التي رفضها المقاومون وخاضوا انتفاضتهـم الثالثة منطلقين من القدس لوقفها، وعبرت أمينة في شعرها الذي رصدت فيه الانتفاضات الثلاثة، ما رأته من شعب لا يعرف اليأس ولا السلبية، ولا يـُقهر ولا يفنى، شعب قادر على جلب الربيع رغم تقلـّبات الفصول:(رؤوسنا الكبيرة/ على مشانقه/ سأقطع الحبل هذه المرة).

* ناقد من الأردن
رئيس مجلس الإدارة: محمد داوودية - رئيس التحرير المسؤول: مصطفي الريالات - المدير العام: الدكتور حسين العموش