الصفحات
الكاملة
تيوب
الدستور
رسالة جلالة
الملك للدستور
موقع
زوار الأردن
موقع
جلالة الملكة
موقع
جلالة الملك

الحنين إلى حرية مفقودة في رواية «أنثى افتراضية»

تم نشره في الخميس 27 تشرين الأول / أكتوبر 2016. 09:07 مـساءً
د. عماد الضمور *

تشكلت الرواية العربية بوصفها فناً سرديّاً في نطاق التحولات الكبرى التي عرفها العرب نتيجة احتكاكهم بالثقافات الأخرى، فالمكوّن السردي هو الأساس الذي يقوم عليه الفن الروائي، وهو قديم قدم القصص والحكايات، لكن التقنيات السردية هي التي تختلف، وتتعدد وفقاً للثقافة السائدة.

لذلك فإن الرواية متغيرة الملامح والأنماط، تنبعث رؤاها في فضاء ثقافي، فنتحدث عن الروايات البوليسية وروايات الخيال العلمي، والرواية الرومانسية وهكذا، وهي في كل العصور تتفاعل مع الثقافة السائدة، فكانت الحكائية المنبثقة من فنون السرد القديم وبخاصة المقامات والسير الشعبية وأدب الرحلات، ممّا جعلنا نتفاعل كثيراً مع الروايات الأولى التي جسّدت الموروث الحكائي العربي القديم.
لذلك تنحاز الكتابة الإبداعية في وقتنا المعاصر للتكنولوجيا الحديثة في ظل ثورة الاتصالات ووسائل التواصل الاجتماعي التي فرضت نفسها على حياتنا وأنماطها ذات الميل إلى السرعة والاختزال والبوح الشفيف والانفعال العاطفي والتواصل المشبع بالمشاعر والمحمّل بالآمال.
إنّ التكنولوجيا تتحرك فينا بوصفها جزءاً من الخلفية الأدبية للمبدع الذي لا يستطيع الانقطاع عن الواقع بل يسعى لتوظيفه والتعامل مع أدواته؛ لأنه جزء أصيل من تجربته الفنية والواقعية.
يُطلعنا الكاتب فادي الخضير في روايته» أنثى افتراضية « الصادرة عن دار فضاءات للنشر والتوزيع عام 2016، برواية تندرج ضمن الكتابة الرقمية في عالم افتراضي ينساق وراء محاكاة حاسوبية في بيئة ذات أبعاد متعددة، تُنتج شخصيات افتراضية مجسّدة تتواصل مع شخصيات أخرى واقعية. معتمدة أسلوبها المؤثر الذي يشدّ انتباه المتلقي وذلك عبر سياحة الكترونية تعكس رؤية المبدع للواقع.
يحمل عنوان النص العتبة الأولى لسبر عالم الرواية واكتناه مراميه ، فالأنثى الافتراضية واضحة المعالم، ممّا يجعل الفن الروائي فن السبر وكشف الأسرار، وتاريخاً للمهمش والمكبوت والمغيّب ومرآة للتحولات العميقة في المجتمع.
يُصرّح فادي منذ العتبة الأول لروايته بأنثاه الافتراضية وعالمها الخاص وأنها تتشظى بين الحقيقة والخيال، يُكرس من خلالها نقلة مهمة في الرواية الأردنية وذلك بلغة روائية تمزج بين المستويات الوصفية والشعريّة والفكرية والسردية، بجعل العالم الافتراضي عبر الشبكة العنكوبتية وطناً لشخوصه.إذ نجد في الرواية حساباتٍ تواصليةً متعددةً، وأسماءَ مستعارةً، ورسائل قصيرةً، وبوحاً شفيفاً، واختزالاً لمشاعر إنسانية ذات وجد صادق.
الرواية يمكن تصنيفها بأنها روايةٌ رقميةٌ، وإن كان قد سبقه إلى ذلك الكاتب الأردني محمد سناجلة في كتاب له بعنوان:» رواية الواقعية الرقمية» التي تحدث فيها عن فلسفة الخيال والعنصر الرقمي والإنسان الافتراضي، واللغة كظاهرة اجتماعية واللغة الجديدة لغة الرواية الرقمية.
الشخوص في رواية( أنثى افتراضية) تتقمص أدوارها على الانترنت، متفاعلةً في ذلك مع الإنسان وكأنه عالمٌ حقيقي يحيط به، شخصية ربيع الواقعية تدخل العالم الافتراضي باسم ( زاهر) وحبيبته ميسون تدخل العالم الافتراضي باسم ( سناء) وهكذا يلتقيان ثم يفترقان في رحلة البحث عن الحياة المأمولة. كذلك الأمر يحدث مع الدكتور مازن وقصة حبه مع أمل المتزوجة التي تهرب منه لتدخل الفيسبوك باسم ( أسيرة البستان) ليتم اللقاء بينهما من جديد، لقاءٌ شعارُه لغةُ الروح لا الجسد. هكذا هي الحياة بأحزانها وأفراحها همومها ولذاتها يسردها المبدع في قالب فني يستعين بالعالم الالكتروني لإنتاج ثقافةٍ ومعرفةٍ ذات بعد إنساني يُجسّد القيم الفكريّة ومقتضيات التطور الحضاري.
وظّف فادي الخَضِير تقنياتٍٍ وأساليبَ منوعةٍ استفاد منها لبيان فكرته الرئيسة الماثلة بسيطرة الجانب التكنولوجي على حياتنا ومحاولة بحث كلّ واحد منا عن عالمه الخاص ورؤاه الفكرية، ومن هذه التقنيات استخدام ضمير الغائب وهو ضمير يُفضي إلى عالم ما تحياه الشخصية لتنبني من خلال تصرفاتها لغةُ السرد، وبوحُ الذات الحزينة، كذلك نلمس تقنيةَ الاسترجاع والحوار الداخلي، فضلاً عن أن الرواية عكست بوضوح وجود أشخاص غير متوافقين مع محيطهم وعاداته الاجتماعية، ممّا عكس صراعاً واضحاً بين الشخوص، وأبرز ثنائيات واضحة من أهمها: ثنائية الروح والجسد، وثنائية اللقاء والفراق، وثنائية الحياة والموت.
الجمل السردية في الرواية وقعت تحت وطأة البحث عن الحبّ، وهو في جوهره بحث عن الحياة.
إذ جاءت الرواية محاولةً جادةً من الكاتب لتجسيّد رؤيا أشغلت ذهنه، وأقضت مضجعه، واستبدت بتفكيره، ممّا جعلها تتفجّر في النص دوالاً قابلة للتأويل، وتتشكّل وفق أنساق تعبيرية ولغة سردية مكثفة، يتخللها فعلُ البوح تارةً، والصداميةُ مع الواقع القاسي تارةً أخرى.
تمتاز لغة الروية بكشفها عن المتناقضات النفسية والاجتماعية للشخصية الروائية، فهي غطاء يخفي وراءه حقائقَ قاسيةً، تكشف وتعرّي الواقع.
إنّ لغة الخطاب السردي يجب النظر إليها من الزاوية التي تعنيه لغةُ السرد وإيحائيتها وقدرتها على التأثير الذي تحدثه في المتلقي من خلال إدراكه لمقاصد الخطاب بعيداً عن النظر إليها بما تعنيه الكلمات ظاهريّاً.
ثقافة العولمة ممثلةً بالإنترنت تساعد في تقريب المسافات لكنها صادمةٌ أحياناً مقلقةٌ في نهايتها، بعدما تتكشّف الحقائق وتبرز الصعوبات. لتبدأ بعد ذلك الحكاية عند كلِّ لقاء عبر الانترنت، وكأنه مكمنُ السرد وباعثُه يمارس فعلَ السرد من خلاله سطوته، ثم تشظيه في شخوص الرواية ليكتملَ بناءُ مشروع الكاتب الفكري القائمِ على الانتصار للذات المسلوبة في إطار فني قائمٌ على الاسترجاع تارةً والاستباق تارةً أخرى.
يدرك القارئ تغلغلَ العنوانِ في بنية المتن الروائي، واتّصاله الوثيق به، ودلالته الواضحة على حركة الشخوص الروائية، بل إنّ العنوان هو مبعثُ كثير من الأفكار النازفة، ومصدرُ تشويق منذ اللحظة الأولى لممارسة القارئ لفعل التلقي.فأيّ أنثى أراد الكاتب تجسيدها وأيُّ عالم افتراضي أراد نسجه؟.
من الأنثى تأتي الحياة وبالأنوثة يسمو الإبداع، في عالمها نذهب بعيداً وعميقاً تحقيقاً للمعنى، نقترب من روح الإنسان وأحلامه وأمانيه. أيُّ أنثى تلك الافتراضية وأيّ عالم يذهب بنا إليه فادي الخَضِير في روايته، أهي أنثى بذاتها أم الحياة في أجمل تجلياتها.
ثنائيةُ الروح والجسد في الحياة ثنائيةٌ مهمة تطرحها الرواية؛ ليكشف من خلالها عن ألق الرؤيا في حياة ضامئةٍ لكلّ ما يمنحُها وجودَها.
تكشفُ الروايةُ أن الكتابةَ خارجَ الجسد محضُ افتراء واعتداء صارخ على الأنوثة، فهي ( أي الكتابة) صيغة منقوصةٌ للحياة، ولا يمكنها التأسيس لجمال أو إبداع .
الجسدُ مُعطى وعالمُ الكتابة له خصوصياته وجغرافيته ومُناخه، لكنه يبدو خادعاً بدون روح تمنحه الحياة نُضمر من خلاله سيميائيةَ الوجود.
الجسدُ رؤيا الإنسان الكبرى نعوّل عليها كثيراً؛ لنجد من خلاله سلطةً قمعية خارج صفاء الروح، ممّا جعل الاحتفاء بالجسد والروح معاً معادلاً للاحتفاء بالحياة وسرها الكامن في الوجود.
إنّ الكتابة خارج عالم الأنثى كتابةٌ منقوصةٌ، باهتةٌ تفتقد للوهج والجاذبية والرؤى،فالمبدع الذي لا ترقد في روحه أنثى جثةٌ تتحرك، وذاكرةٌ مستباحةٌ ، فأكثرُ مفرداتِ اللغة جاءت بصيغة المؤنث، ممّا جعل الكتابة عن الأنثى وبالأنثى هي انعكاس الأنا وسياحةً في أسطورة الذات.
نلحظ في الرواية تأنيث العتبة ( أنثى افتراضية) وكذلك تأنيث المتن الذي يدور حول الأنثى الحقيقية التي تتجاوز الجسد؛ لتنهض بفعل الحياة، ولتشمل الحياة بأكملها.
ثمة تمظهر أنثوي في الرواية يبدأ بالسرد وينتهي بالصمت والإذعان لحقيقة الوجود، الذي يولّد منطقَ استمراريةِ السرد الجمالي المحرّضِ على غرض الخروج من صندوق الذات المغلق والبوح الشفيف من خلال شخوص الرواية.
رحلة الشخوص تنتقل من النمطيّة لتتحوّل إلى مركزيّة البوح بعيداً عن ثقافة القهر والزيف، تنشد تحقيق الهوُية الأنثوية بعيداً عن عبثية وجودها.
تُنسج الحُبكة الرئيسة في الرواية برافد مهم يرتكّز إلى تصوير فني يتضافر فيه الواقع والخيال، لينفتح السرد الروائي على أفق واسع قادر على تحقيق الذات واستيعاب أفكار الآخر.
تتحدث الرواية عن علاقات متشابكة ومعقدة تبدأ أحداثها على الواقع لتصبح أكثر عمقاً من خلال الشبكة العنكوبتية، هكذا تبدو العلاقات في الظاهر لكنها في الباطن تكشف عن زيف الواقع، وانهزام الذات أمام الإحباطات النفسيّة، والقيود الاجتماعية.
الشخصيات في الرواية متميزةٌ بأنها مصاغةٌ وفقَ إدراكٍ ووعي لبنى السرد ومقتضياته، ويمكن تصنيف شخصيات الرواية إلى ثلاثة أنواع: شخصية فاعلة تدخل في إطار الرواية من حيث توجيه الأحداث، وتطور الشخصية ذاتها.
وشخصية راوية، تدخل من خلال البوح والسرد الذاتي، وشخصيات مرويّ عنها، وتكون بتمثل صورتها عند مَنْ يروي عنها، ولا صوت لها، والشخصيات المروي عنها لا وجود لها في الأحداث لكننا نتعرف عليها من خلال سرد الآخرين.
تبقى لرواية» أنثى افتراضية» بنية سرديّة متماسكة تحمل في طياتها أسئلةً مهمةً، مثل: إلى أيّ حدّ استطاعت الشبكة العنكبوتية التوغّل في حياتنا وتوجيه أفكارنا؟ وهل يشكل العالمُ الافتراضي ملاذاً أمناً لأفكارنا وعواطفنا ودواخلنا العميقة؟ وهل ما نكتبه عبر وسائل التواصل الاجتماعي هو انعكاس لما نشعر به ونبحث عنه أم هو أسير للواقع بقيوده وقوانينه؟.
لقد شكّلت رواية «أنثى افتراضية» تكثيفاً واضحاً للرواية التي تحاول في مغامرتها الجمالية والبنائية رصد أثر الثورة التكنولوجية في الإبداع الكتابي وما يمكن أن تقدمه للكاتب من عوالمَ مدهشةٍ وشخوصٍ قادرةٍ على تجسيّد الحدث، وبيان أبعاده الفكريّة ذات التشظيّات الإنسانية العميقة.

* ناقد من الأردن
رئيس مجلس الإدارة: محمد داوودية - رئيس التحرير المسؤول: مصطفي الريالات - المدير العام: الدكتور حسين العموش