الصفحات
الكاملة
تيوب
الدستور
رسالة جلالة
الملك للدستور
موقع
زوار الأردن
موقع
جلالة الملكة
موقع
جلالة الملك

من جديد ابتسم

تم نشره في الجمعة 13 نيسان / أبريل 2018. 12:00 صباحاً


] نايف النوايسة
من قاع العتمة تستيقظ الرِّشاءُ وتنتحُ في دلو اللحظة كلَّ غَيابات الجُّبِّ، وتضعني من بعد غياب طال أمام السَّيَّارة لعل هناك من يلتقطني.
   وتقفز إليه في التَّوِّ صورته تلك وهو يبحث عن مكان نظيف تحت الجسر، تلك هي صورة لم تفارق قاع العين منذ خمسين سنة، أبداً لم تَمّحي وإن تغيرت معالم المكان، لم يكن هناك جسر ولا رصيف ولا طريق واسعة، لم يكن هناك ازدحام في كل شيء، كنت هنا أرجو الشمس أن تُبطئ من رحلتها كي انتهي من رحلتي إلى العقبة فالصحراء غامضة وفي الليل غادرة.
هنا جلستُ قبل الخمسين وهناك كان الرجل(الأطرم) جالساً، مختفياً في عباءته البنّية، ولو بحثتُ جيداً لوجدتُ الحجر التي لم يفارقها إلاّ عند ركوبنا السيارة (لهِنشل) ويسوقها رجل مخمور.
بعد الخمسين؛ بذلتي كحلية، وربطة عنق، وحقيبة سفر محترمة ونظارات فاخرة، وحين جلستُ على الرصيف منظراً بسطتُ شيئاً نظيفاً تحتي.. كان ينتظر مركبة أنيقة تُقلّه إلى العقبة لتنفيذ عمل ثقافي.. للذاكرة مقذوفاتها المضحكة؛ في المكان نفسه اجتمعتِ الملابس الرثَّة والخوف من الآتي وانتظار المجهول بالشكل الأنيق والشخصية المعتبرة والهدف الواضح.. كان خائفاً جائعاً عطِشاً يلاحق السراب في الآفاق ويداري فمه الناشف بِريقِه الذي بدأ يجف، وهو الآن مزوّد بالماء وفي ظل الجسر يتصل من هاتفه الخلوي مع من يشاء.
ياه، كم في الإنسان من حَيوات!
هو دفتر تخطّ عليه الأيام وشومها وتنثرها بين حين وآخر من فوهة الذاكرة، تماماً مثل هؤلاء الذين يمرون من أمامي وبهم لهفة للركوب بأي سيارة تمر، عيناي لا تكفّان عن ملاحقة هؤلاء المنتظرين.
أشغلتني الكتابات المتراكبة على دعامات الجسر وكأنها من جنس الكتابات الثمودية او الصفوية التي نعثر عليها هنا وهناك..
شاب وشابة يقذفهما إلى حيث أجلس.. أخذا مكاناً ظليلاً وراحا يتناجيان، ويبدو أنهما استانسا بهيئتي التي تبعث على الطمأنينة، وكان حديثهما عن واجبات في الجامعة.. أخرج الشاب من حقيبته قلم(فلوماستر) ورسم على جدار الجسر قلباً يخترقه سهم وكتب على طرفيه اسمان، وضحكت الشابة وألقتْ رأسها على كتفه.. إذاً، هما عاشقان! تذكرت الأطرم والغبار الذي يملأ الأفق والسائق المخمور فاصفرّ وجهي وعرقت.
   من بعيد كانت المركبة التي انتظرها تُرسل لي أضواءها فتهيأتُ.. ابتسمت من جديد كبسمتي جين ركبت (الهنشل) وقفز إلى جانبي (الأطرم) فأصبحت محبوسا ما بين رجل لا يسمع وآخر مخمور.. إنه جبُّ الحياة وثمنها البخس..
صعدت إلى المركبة وأنا أبتسم وما زلت مأخوذاً بعالم الجسر.. قبل أن تنطلق المركبة لفت نظري عبارات تستحق القراءة ففتحت باب المركبة واقتربت منها ودونتها( الشمس لا تملّ من الشروق، نحن كائنات تتعاطى الانتظار، ظهر الأرض دفتر متجدد نكتب عليه لُهاثنا ما بين الولادة والوفاة..)
رفاقي في الحافلة يُحدِّقون في وجهي وكأنهم يرون سطوراً غارقة في القِدَم.. أغطس في الصمت وخيط الابتسام حبل سريّ يربطني بالحافلة ومن فيها.. عيونهم المستفسرة تحاصرني من كل جانب.
طائر النعاس يجثم بين جفوني فأتحرر من حصار العيون..
في قاع العتمة يجرفني سيل الأحلام إلى فوهة الذاكرة فأبتسم بلا انقطاع..

رئيس مجلس الإدارة: محمد داوودية - رئيس التحرير المسؤول: مصطفي الريالات - المدير العام: الدكتور حسين العموش