الصفحات
الكاملة
تيوب
الدستور
رسالة جلالة
الملك للدستور
موقع
زوار الأردن
موقع
جلالة الملكة
موقع
جلالة الملك

لن أنتظر رحيل أصدقائي فـي رحيل الروائي..جمال ناجي

تم نشره في الثلاثاء 8 أيار / مايو 2018. 12:00 صباحاً

د.هناء
 بنت علي البواب
سيتهامسونَ اليوم فيما بينهُمْ على مسمعٍ منِّي بموتِك يا جمال ناجي، سأصيحُ كطفل صغير بأعْلى صوِتِي لا لمْ يمتْ، جمال سافر بعيدًا، ليَجْلُبَ لنَا من هناك شيئا من ذكريات السرد والرواية، وليحكي لنا الحكايا...
لا أحد يموت الآن... الربيع لم يخلق للموت ياجمال، فلن يموت كاتب في الربيع، لأن عينيك خضراوتين باخضرار هذه الأرض المعشّبة بزوايا دفاترك المعتقة حبا.
أنّه الغرق البطيء للنَوَسَانِ تحت التراب، ها قد عادتْ شجراتُ الليمونِ إلى حملِ
ثِقَلِ حموضةٍ مؤلمة برحيل قلمك، على غِرارِ عيونِك التِي تمادت في اخضرارها منَ الغيابِ.
لن أنتظر رحيل أصدقائي، لن أتألم على كل منهم وأبكي حزنا ووجعا، سأحملهم
إلى مكانٍ لا يأتِي الموتُ إليهِ، ولكن...ما هوَ المكانُ الذي لا يأتِي إليه الموتُ؟
 هناك زاويتان من الاشتياقِ في زاويةِ فراقِ، حرفٌ من السَلْوَى يتدلّى على جدران ملتقانا يا أصدقائي...
لن أنتظر رحيل أصدقائي...
سأملأ لكم صحن ماءٍ  محفور في الحجر، سأترك العصافير الزائرة لمكاننا بزَقْزَقاتِها أن تلحّن نغمة لكل منكم...
فلن أنتظر رحيلكم أبدا...
سأتلو الفاتحة كل صباح ومساء خوفا على رحيلكم، سأكتب كلمات على جدران غيرِ منقوصةِ الاسمِ والتواريخِ، سأعلق لكم حبة من القلب لأحملها تعويذة تقيكم شر الحياة.
لن أحتمل رحيلكم يا أصدقائي...
لن أنتظر أن يتكلم العالم عنكم بعد أن ترحلوا، ستكونون قلائد مذهبّة من اليوم، وستبقون كذلك.
لن أنتظر رحيلكم...
ولكن الرحيل سيأتي  وهو يَجُّر قطيع ذئاب، سيضع مخْلبًا لوجعي بفقدكم، سيملأ فمي بالبكاء.
سيأتي الرحيل عند حافة الفرح، سيسير بخطى متثاقلةٍ كتمساح عجوز، سيغرس رمحًا مسمومًا في رؤاي، وينتصر على فرحتي بكم.
هيا...قبل رحيلكم يا أصدقائي فلنركض حيث الشمس في كلّ مكان، ولنقتطف الأزهار ونوزعها على دروب الحياة، هيّا فلنحمل خرطوم المياه ونسقي الزهور على الشرفة ولنستمع لأغنيات تافهة ولنضحك، ولنركض في الشوارع ونقطع هذا العمر بتحدي الأطفال الذين لا يدركون معنى الموت.
لا أريد أن أفتقدكم، لا أريد أن ترحلوا كرحيل جمال ناجي دون أن نفرح معا، ودون أن نسرق الوقت ونهزمه.
لا أريد أن أعرف أن هناك أزمة مالية عالمية، ولا أن هناك حروبا ومعارك، لا أريد أن أرى مشهد تابوت خشبي، لا أريد أن أرى منظر جنازة تسير إلى حيث لايعرف صاحبها، لا أريد أن أمسح دمعة أم مقهورة على ولدها، أريدد أن أفرح معكم وبكم.
أريد فقط أن أعرف أننا نفرح، وأننا مجانين بهذه الحياة.
عند الموت فقط يتساوى الشجاع مع الجبان.
فلن أنتظر رحيلكم...
إذا رحلتم لا أريد سوى حزن وصحراء وربابة، لا أريد سوى أوراقكم لأستند برأسي عليها وأبكيكم.
لن ترحلوا...فالموت لا يأكل الأنقياء، الموت لا ينتقم من الأدباء والكتاب، الموت لن يأخذكم، فلا ترحلوا أرجوكم.
لن أنتظر رحيلكم...
أريد أن أرحل عن هذا الوجع، أريد أن أكون  نسمة باردة تأتي من الشباك العالي الصغير
تجفف دمعة المحزونين.
أريد أن أكون فضاء في زنزانة ضيقة مظلمة...
أريد أن أكون غصنًا تعلقون عليه أحزانكم، اغسلوا أحزانكم في نهر وجودي.
لن أنتظر رحيلكم...
أريدكم هنا أريد أن أكون وردة يرميها عاشق على شرفة حبيبته لترضى..
ولا أريد سوى أن أدوس بحذائي المتسخ من الأوجاع والأحزان فوق هذا العالم.
فلن أنتظر رحيلكم...
أخاف رحيلكم...فلا ترحلوا كي لا أفقد معكم الفرح.
فلنلتقِ كما كنا نلتقي دائمًا حتى نغتاب النّور ونضحك،  حتى نُطفِئ النّجماتِ نجمةً.. نجمةً..
في بحيرة الألم.
لن أحتمل رحيل أحدكم...
سأحمل أسماءكم من هذه اللحظة اسما اسما وأملأ بها الشوارع والقطارات، ولكني أخشى من القطارات أن تذهبُ بكم بعيدًا، ثم تعود لكن بركابٍ آخرين.
فلن أحتمل رحيلكم.

رئيس مجلس الإدارة: محمد داوودية - رئيس التحرير المسؤول: مصطفي الريالات - المدير العام: الدكتور حسين العموش