الصفحات
الكاملة
تيوب
الدستور
رسالة جلالة
الملك للدستور
موقع
زوار الأردن
موقع
جلالة الملكة
موقع
جلالة الملك

أبي...يُوشك أن يتقاعد

تم نشره في الاثنين 14 أيار / مايو 2018. 12:00 صباحاً

هناء بنت علي البواب

أبي ليس عجوزا أحدب، لم يحمل يوما على كتفه غرابا أسود، ولم ينظر للأرض بعد أن يتخطاها.
أبي لم يرافق سوى أبناء النور، وكان يحوّل مخالب الذئاب وردة بيضاء بقلبه الرقيق.
كان يمتصّ دم الأوراق والكتب، كان يفضّ بكارة الأفكار، ويضحك من جهل النائمين.
منذ ما يزيد على ستين عاما أعطى للعلم يديه، وكأنه أعطى للأعمى عصاه.
لا تحزن اليوم...
لا أحدَ يحزن في الصّباحِ، الحزن ينتظر حتىّ نذهبَ للنّوم ، ليسرِقَ أرواحَنا من تحتِ الوسائِد، فلذلك لا تحزن، ولا تخفي حزنك...
لا أريد أن أكبر يا أبي كي لا أفهم حزنك وأراه، أريد أن أبقى طفلة أراني بين فستان أمي وقميصك دائما...
لا أريدك أن تحزن...
فلا تحزن اليوم...
الحزن لا يزورنا يوم السبت والأحد، الحزن لا يحب يومي الاثنين والثلاثاء، الحزن يخشى يوم الأربعاء، ثق بما أقوله يا أبي...
لا تحزن اليوم...
فالحزن يزورنا نهايةَ الأسبوعِ في عطلة، للاسْتِراحةِ من تسلّقه المتواصل للأسطح المتعبة المرهقة.
لا تحزن اليوم يا أبي...
ستتخفف حين تتقاعد من نتوءات الحياة، ستجفف روحك من تعبها، وقلقها، ستسامر أمي كثيرا، وستضحكان أكثر، ستعودان شابا وصبية يتعلقان ببعضهما في أول حياتهما ويبحثان من مخابئ الفرح لينتزعا كل ألوان الفرح ويقدماه لنا على أجنحة الفراش.
فلا تحزن يا أبي لأنك ستغادر العمل المتفاني...وستكمل خمسا وخمسين عاما من العمل المتواصل لم تنقطع يوما، ولم تتغيب يوما...
شكرا لأنك أبي...شكرا للحياة، شكرا لله، شكرا لأني أحبك كما لم تعشق فتاة من قبل ووجدت رجلا بكامل بهوه وأناقته وحبه للعلم وللحياة.
لا تحزن اليوم يا أبتِ....
أرجوك، فحزنك يؤلمني حدا لا يمكن أن تبلغه أبدا،
أريدك أن تكون مختلفا، عد شابا كما كنت أرجوك، عد معَ الرفاقِ والأصدقاءِ
أريدُك أن ترجع إلى تصويبِ حجرِي على المربّعِ الشاغرِ للحياةِ، أريدك طفلا في حياتي يا أبي، أرجوك عد شابا، بل طفل دائر بساقٍ على باقي المربّعاتِ
في رُقْعةِ الحجلةِ في هذه الحياة، أريدُك أنْ تستعيدَ نزقك وطيْشك في هذه الحياة،
أريدُك أنْ تستعيدَ شراسةَ الطفولةِ، وأن تشاكس الأطفال، شاكس أحفادك ولاعبهم، يا أبي قم بتكْسيرِ الملل على البداهةِ والضّجرِ، قم بتقْشير طزاجة الوقت في مقْشرة الحاضر يا أبتاه ولاتحزن على عمر لم يذهب هباء منثورا.
لا تحزن يا أبي اليوم...
أبي...ارمِ الحزن خلفك وافرح اليوم لأنك تبدأ عمرا جديدا، ارمِ للقطّة الجائعة ببراءة عمر ناضج هذا الحزن والوجع، أحْكمْ الغَلْقَ على حزنك في عُلبةِ الثِّقابِ
أرجوك اليوم ألا تحزن...فحزنك وجع العمر في صدر أمي الباكية والتي لا تتقن إلا أن تمثّل علينا الفرح كي لا نحزن... فلا تشترِ لها حزنا في هذا العمر.
لا تحزن يا أبي...
لأني سأحرسَ روحك حتى لا تحزن، لن أترك الليل يفاجئك بحزن، سأتربص للحزن وأزيحه من تحتِ الوسائدِ.
لا تخف يا أبي.... لن تحزن
لن يسرقَ الحزن فرحك بهذا العمر، لن يبات الحزن تحت الوسائِدِ، سأخبئ تحت الوسادة سكّينًا مربوطة التَمائمِ إلى المِقبضِ لأطرد الحزن من تحتِ وسادتك يا أبي.

رئيس مجلس الإدارة: محمد داوودية - رئيس التحرير المسؤول: مصطفي الريالات - المدير العام: الدكتور حسين العموش