الصفحات
الكاملة
تيوب
الدستور
رسالة جلالة
الملك للدستور
موقع
زوار الأردن
موقع
جلالة الملكة
موقع
جلالة الملك

المعلوف : الإنجيليون يُشكِّلون ربع سكان أميركا وساهموا مساهمة كبرى في إيصال تـرَامب الى البيت الأبيض

تم نشره في الأحد 27 أيار / مايو 2018. 12:23 صباحاً

** القى السفير مسعود المعلوف - سفير لبنان السابق في كندا  محاضرة في ندوة «مركز الحوار العربي» ،   تحدث فيها  عن الإنجيليين في أميركا.. قوّتهم السياسية ودعمُهم لإسرائيل .. وعن اللوبي الإسرائيلي في الولايات المتحدة. .
وقال ان حديثي عن الإنجيليين ليس حديثا دينيا على الإطلاق، بل إني أتناول الموضوع من حيث مواقفهم السياسية عامة دون الإعراب، لا من قريب ولا من بعيد، عن رأيي في النواحي الدينية والإيمانية لأبناء هذه الطائفة.
تُعتبر الولايات المتّحدة دولةً مسيحيّةً بصورة عامة، إذ يُشكّل المسيحيّون فيها من مختلف المذاهب أكثر من 70% من مجموع السكان، من بينهم 46% من البروتستانت ونحو 21% من الكاثوليك، وما يقارب 3% من مذاهب مسيحية متنوّعة. ، ويُشكّل مجموع السكان الذين ينتمون الى ديانات غير مسيحية (يهود ومسلمون وبوذيون وهندوس الخ...) ما يوازي نحو 6%، أمّا الباقون أي نحو 24% من مجموع السكان، فهم يعلنون عدم انتمائهم إلى أيّ ديانة، وهذا لا يعني بالضرورة أنهم مُلحدون، بل يعني أنّهم لا يعتنقون ديانة معينة.
وبين ان الإنجيليّين الذين كثُر الحديث عنهم في العقود الأربعة الأخيرة، وعن تأثيرهم في الحياة السياسية الأميركية، وعن دعمهم شبه المطلق لإسرائيل، هم مجموعة من المذاهب البروتستانتية التقليدية التي تؤمن بجوهر الإنجيل، وبأنّ خلاص البشرية يأتي عبر الإيمان الصافي بالمسيح المخلِّص، وهم يشكّلون أكثرَ من نصف مجموع السكان البروتستانت (نحو 26% من الأميركيّين)، بينما سائر المذاهب البروتستانتية هي من المذاهب التي تؤمن بالحداثة والتجدّد.
واشار الى انه عندما بدأتْ بعض المذاهب البروتستانتية تتأثّر بأفكارٍ لتحديث العقيدة وجعلها تتماشى مع تطوّرات العصر، تمسَّك المنتمون إلى مذاهب بروتستانتية أخرى بالتقاليد الدينية كما جاءت في الإنجيل وفي العهد القديم من الكتاب المقدّس، فعُرِفوا بالإنجيليّين.
وقد أسَّسوا عام 1942  الجمعية الوطنية للإنجيليّين  التي بدأت تفتح المدارس في مختلف الولايات الأميركية، خصوصاً في الولايات الجنوبية والوسطى حيث لهم وجود بارز، وكانت هذه المدارس تنشر التعاليم الدينية وفقاً لأصول الدين المسيحي، ولذلك يُمكن اعتبارُهم الى حد ما:  أصوليّين مسيحييّن .
وبين انه في العام 1973، وبعد انقسامات وخلافات حادّة في المجتمع الأميركي حول موضوع الإجهاض، اتّخذت المحكمة العليا قراراً يَقضي بالسماح قانونيّاً بالإجهاض، فتحرّك الإنجيليون بقوة لمناهضة هذا القرار الذي يتنافى مع إيمانهم المسيحي، وبدأوا بتنظيم تحرّكات، واتّخاذ مواقف سياسية مبنيّة على عقيدتهم وإيمانهم، وقدّموا بعد ذلك دعمَهم الكامل لترشيح الجمهوري المحافظ رُنَلْدْ ريغَنْ للرئاسة عام 1980 ، وجدّدوا دعمهم له عام 1984 ، وعزّزوا انتماءَهم إلى الحزب الجمهوري، وبدأ شأنهم يقوى في الحياة السياسية الأميركية منذ تلك الفترة.
وممّا ساعد في إعطائهم المزيد من القوة والتأثير في الحياة السياسية، بروز واعظين في صفوفهم ممَّن يتمتّعون بمواهب خطابيّة كبرى استطاعوا استعمال وسائل التواصل الحديثة نسبياً في ذلك الوقت، مثل الراديو والتلفزيون، لإلقاء عِظاتهم الدوريّة التي كانت تجذب ملايين المشاهدين والمستمعين، كما تملّكوا قنواتٍ تلفزيونيةً ومحطاتٍ إذاعيةً خاصة بهم، ومن أبرزهم جيري فالويل، وبات روبرتسون، وبيلي غراهام، الذي أصبح بمثابة المرشد الروحي لعدد من الرؤساء.
فالإنجيليون إذن يُشكِّلون نحو ربع السكان في أميركا، وهم مجموعة من المذاهب البروتستانتية  الأصولية  التي تبني عقيدتَها على الإنجيل، بخلاف بقية المذاهب البروتستانتية المنفتحة على التطوّر الفكري الإيماني، وهم بأكثريّتهم ينتمون الى الحزب الجمهوري، وقد ساهموا مساهمةً كبرى في إيصال الرئيس دُنَلْدْ تْرَمْبْ الى البيت الأبيض عبر إعطائه 81% من أصوات الإنجيليين البيض في انتخابات 2016.
تجدر أيضاً الإشارة الى أنّ للإنجيليين نزعةً تبشيرية، إذ أنّ نشرَ الدين المسيحي وفق إيمانهم الإنجيلي هو أيضاً من اهتماماتهم وواجباتهم، وهذا ما يُفسّر انتقالَ العديد من المبشّرين الى العراق بالتزامن مع الحرب التي شنّها الرئيس الأسبق جورج بوش على هذا البلد عام 2003، حيث كانوا يعتزمون القيامَ بنشاطهم التّبشيريّ.
وقال المحاضر ، انه من منطلق اتّباعهم الحرفيّ لنصوص الكتاب المقدس وإيمانهم بمندرجاته، يرى الإنجيليون في قيام دولة إسرائيل تحقيقاً للتنبّؤات الواردة في هذا الكتاب، خصوصاً لجهة قرب نهاية العالم، بعد أن يحتلّ اليهود القدس مُجدّداً، إذ سيلي ذلك قَبولُهم بتعاليم المسيح الإلهية الذي سيعود ثانيةً ليخلّص البشرية جمعاء من الخطايا.
نحو 60% من الإنجيليين يؤمنون بصِدْق أنّ إسرائيل أُنشئت وفقاً لما ورد في الكتاب المقدّس من تنبّؤات، كما أنّهم يعتبرون أنّ هنالك علاقةً خاصة قائمة بين الله وإسرائيل.
لقد صدرت كتبٌ دراسية عدّة حول هذه الموضوعات الدينية التي يتمّ تدريسُها في الجامعات والمدارس التي أسَّسها أو يدعمها إنجيليّون، كما أصبحت الدراسات الدينية واللاهوتية مادةً إلزامية في البرامج التعليمية لهذه المؤسسات.
إنّ دعمَ ومساعدةَ وتأييدَ إسرائيل عند قسم كبير من الإنجيليّين هو بالتالي أمرٌ دينيٌّ لاهوتي قبل أن يكون موقفاً سياسياً، وإنّ 82% من الإنجيليّين البيض الذين يشكّلون ثلاثة أرباع الإنجيليّين يؤمنون أنّ الله قد وهب إسرائيل للشعب اليهودي، ولذلك ليس مِن المستغرَب أن نرى قسماً ملحوظاً من الإنجيليّين الأميركيين يؤيّدون ويدعمون إسرائيل أكثر من بعض اليهود الأميركيين.
لا بد من التذكير هنا أنّ نائب الرئيس الأميركي حالياً مايك بنس، الذي وُلد وترعرع في أحضان عائلة إيرلندية كاثوليكية، وكان يحضر ويخدم القُدّاس بصورة شبه يومية في صغره، قد غيَّر مذهبه واعتنق الإنجيليّة قبل أن يبلغ العشرين من العمر، وأصبح من غُلاة هذا المذهب، لدرجة أنّ كثيرين يعتقدون أنه قد أثّر تأثيراً كبيراً على تْرَمْبْ لاتّخاذ قرار نقل السفارة الأميركية من تل أبيب إلى القدس في السادس من كانون الأول من العام الماضي، وذلك انطلاقاً من اتّباعه الجدّيّ للكتاب المقدس.
واكد المعلوف انّ التّأييدَ لدولة إسرائيل موجودٌ عند الإنجيليّين حتى قبل قيام تلك الدولة، وقد ذكر نائبُ الرئيس مايك بنس العديد من الآيات والأقوال من الإنجيل والكتاب المقدس في خطابه أمام الكنيست الإسرائيلي أثناء زيارته لإسرائيل منذ أشهر قليلة، وفي ذلك دليلٌ واضحٌ على البعد الديني الإنجيلي الموجود حالياً في البيت الأبيض.
كما أنّ غيابَ التّأييد للشّعب الفلسطيني وحقوقه القومية، وعدم القبول بقيام دولة فلسطينية، نابعٌ من إيمان بعض الإنجيليّين بأنّ أرضَ الميعاد للشّعب اليهوديّ تمتدّ من نهر الأردن وصولاً الى البحر الأبيض المتوسّط، بما في ذلك الضفة الغربية، وأنّ هذه الأرض بكاملها قد وعد الله الشعبَ اليهودي بها.
الإسرائيليون يدركون جيداً موقفَ الإنجيليّين تجاه إسرائيل والشعب اليهودي، وهم يحاولون استغلالَ هذا الشعور الديني لتحقيق مكاسب سياسية لصالح إسرائيل، وقد أعرب وزير التربية الإسرائيلي نفتالي بينيت عن سروره وارتياحه للعلاقة القائمة بين الإنجيليّين الأميركيين وإسرائيل، موضحاً أنّ في ذلك فرصةً لإسرائيل « علينا استغلالُها لتأمين مصالح دولتنا وأمنها «.
غير أنّ استقصاءاتِ الرأي الحديثة تُشير الى أنّ هذا التأييدَ القويّ لإسرائيل بدأ يضعف عند الإنجيليّين الشباب الذين لم يبلغوا بعد سنّ الخامسة والثلاثين، إذ أنّ 35% من هذه الفئة ليس لهم موقف إيجابي من إسرائيل، وأنّ 66% منهم يروْن أنّه من الضروري إيلاء الشعب الفلسطيني مزيداً من الاهتمام.
وقد لاحظ الإسرائيليون هذا المنحى الشبابي الذي قد يتطوّر وينمو، ولذلك فهم بدأوا يتوجّهون نحو دول في أميركا اللاتينية وأفريقيا حيث الوجود الإنجيلي يتطوّر ويتعزَّز بسرعة، آملين بذلك التعويض سلفاً عمّا قد يلحق بإسرائيل من نقص في التأييد عند الإنجيليّين الأميركيّين في حال استمرار هذا التوجّه الأميركي عند الأجيال الصاعدة.
وإذا كان الإنجيليون في معظمهم يروْن في التّأييد الأميركيّ القويّ جداً لإسرائيل، والذي تجسَّد أخيراً بقرار نقل السفارة الأميركية الى القدس، إرادةً إلهيةً تتحقَّق شيئاً فشيئاً، فإنّ السياسييّن في واشنطن لا يرون في ذلك إلّا تمسّكاً من تْرَمْبْ بإظهار نفسه أنّه الرئيس الوحيد الذي يَفي بوعوده الإنتخابية، خلافاً لما كان يفعله أسلافُه.
إلّا أنّ هذه النظرة المتباينة لا تُغيّر شيئاً في الواقع الذي هو واضح للجميع، وهو أنّ الإنجيليين الأميركيّين قد أصبح لهم شأنٌ قويٌّ في الحياة السياسية بحيث يسعى المرشحون لمختلف المناصب الى كسب تأييدهم. كما أنهم، لأسباب دينية لاهوتية بحتة، من غُلاة المؤيّدين لإسرائيل التي تستغل ذلك لتحقيق مصالحها على الساحة الأميركيّة.
كلمة  لوبي  الإنكليزية Lobby ظهرت في القرن السابع عشر في بريطانيا عندما كان المواطنون يجتمعون في بهْو (لوبي) مجلس العموم ليتشاوروا مع ممثِّليهم في الأمور التي تهمّهم. وباستعمالها السياسي في الولايات المتحدة فيما بعد، أصبحت تَعني السّعي للتأثير على سياسة الحكومة وعلى السياسة العامة في البلد ، والتعديل الأول للدستور الأميركي عام 1789 الذي يضمن للمواطن حقوقاً في مجالات عديدة، مثل حرية التعبير، وحرية المعتقد وغيرها، يضمن أيضاً صراحة حقّ المواطن في تقديم عرائض للحكومة تتضمّن شكاوى ومطالب معيّنة، وهذا الحقّ في تقديم الشكاوى هو أساس النشاط للتأثير على سياسة الحكومة عموماً الذي يُسمّى الآن لوبي.
ومن أجل أن يكون التأثير فعّالاً، لا بد من تنظيم هذا النّشاط عبر تأسيس جمعيات متخصّصة تتولّى كلٌّ منها مصالح المجموعة التي تمثِّلها، وتستعين بخبراء ضالعين في الشؤون القانونيّة والدستوريّة يدافعون عن هذه المصالح أمام السياسيين، مثلما يدافع المحامي عن مصلحة موكِّله أمام القاضي والمحكمة.
إنّ الجمعيات التي تُمثِّل اهتمامات المواطنين في الولايات المتحدة تُعدّ بالآلاف، منها ما يُعنى بشؤون المتقاعدين مثلاً، أو المزارعين على اختلاف منتجاتهم، أو أصحاب الصناعات المختلفة، ومن التجمّعات القوية جداً اللوبي الذي يُمثّل صناعة الأدوية، أو أيضاً لوبي صناعة الأسلحة، الذي يُعدّ أقوى مجموعة ضغط (لوبي) في أميركا.
ومنها ما يُعنى بسياسة الولايات المتّحدة الخارجية، مثل اللوبي الأميركي- اليوناني، أو اللوبي الأميركي- الأرمني على سبيل المثال، وهذه تُعتبر مجموعات ضغط إثنيّة، إذ أنّ مؤسّسيها لهم جذور في هذه الدول، ويسعَوْن إلى تعزيز علاقات الولايات المتحدة مع دولهم الأصليّة.
وإذا كان لوبي صناعة الأسلحة هو أقوى لوبي في مجال المصالح الإنتاجية الداخلية، فإنّ اللوبي الإسرائيلي يُشكّل أقوى وأفعل لوبي على الإطلاق بين مجموعات الضغط الإثنية.
وعندما يُقال اللوبي الإسرائيلي، فإنّ أوّل ما يتبادر الى الذهن هو منظمة  أيباك ، المعروفة بما لها من تأثير على أعضاء الكونغرس، بينما في الواقع هناك عدد كبير من المنظَّمات والمؤسَّسات ومجموعات الضغط اليهودية- الأميركية المختلفة، التي تمارس نشاطات متنوّعة، وعلى مستويات متعددة، تصبّ كلّها في خانة الضغط على السياسة الأميركية الخارجية بغية دعم إسرائيل باستمرار، وتأمين أقصى قدر ممكن من المساعدة المالية والعسكرية والسياسية لها.

رئيس مجلس الإدارة: محمد داوودية - رئيس التحرير المسؤول: مصطفي الريالات - المدير العام: الدكتور حسين العموش