الصفحات
الكاملة
تيوب
الدستور
رسالة جلالة
الملك للدستور
موقع
زوار الأردن
موقع
جلالة الملكة
موقع
جلالة الملك

التحليل الأسلوبي للخطاب في النقد العربي الحديث.. إجراءاته ومستوياته

تم نشره في الجمعة 1 حزيران / يونيو 2018. 12:00 صباحاً

د. إبراهيم خليل

وقع بين يدي مؤخرًا الكتاب الموسوم بالعنوان « التحليل الأسلوبي للخطاب في النقد العربي الحديث؛ إجراءاته ومستوياته « لمؤلفه د. بن سمعون سليمان. والكتاب الصادر عن دار صبحي للطباعة والنشر في الجزائر(2014) في طبعته الأولى (276ص) أهداه مؤلفه لكل غيور على « لغة الضاد « فضلا عن إهدائه لزملائه في جامعة غرداية، ولأسرته. وهذا التعدد في الإهداء، والتنوع، يوحيان للقارئ، ويؤكدان، أن هذا الكتاب هو الأول للمؤلف.
وقد استثار الكتاب بمقدمته فضولي، واهتمامي، لغير سبب؛ فهو كتابٌ يبذل فيه المؤلف د. بن سمعون جهدا مشكورا، طيبا، في تتبع الدراسات الأسلوبية في العربية، وهي دراسات بدأت بظهور كتاب «الأسلوبية والأسلوب نحو بديل ألسني للنقد الأدبي» لعبد السلام المسدي 1977 عن الدار العربية للكتاب في كل من تونس وطرابلس الغرب. ثم تتابعت الدراسات في هذا الاتجاه تتابعًا أغنى المكتبة العربية النقدية، فمن الكتب التي صدرت بعد ذلك كتاب «الأسلوب - دراسة لغوية إحصائية» لسعد مصلوح 1980 وكتاب «خصائص الأسلوب في الشوقيات» لمحمد الهادي الطرابلسي 1981 وكتاب «مدخل إلى علم الأسلوب» لشكري عياد 1985، و»علم الأسلوب.. مبادئه وإجراءاته» 1985 لصلاح فضل، و»الاتجاه الأسلوبي في النقد الأدبي» لشفيع السيد 1986، وكتاب «البنيات الأسلوبية في الشعر العربي الحديث» لمصطفى السعدني 1987، و»دليل الدراسات الأسلوبية» لجوزيف شريم 1987، وكتاب «الأسلوبية منهجًا نقديا» لسعد مصلوح 1989، و»الأسلوبية مدخل نظري» لفتح الله سليمان 1990، و»جماليات الأسلوب» لفايز الداية 1991، وكتاب «تحاليل أسلوبية» لمحمد الهادي الطرابلسي 1992، و»البحث الأسلوبي معاصرةً وتراثًا» لرجاء عيد 1993، وكتاب «مقالات في الأسلوبية» لمنذر عياشي 1995، و»أساليب الشعرية العربية» لصلاح فضل 1995، و»ظواهر أسلوبية في الشعر الحديث في اليمن» لأحمد قاسم الزمر 1996، و»جذور الأسلوبية» لشوقي الزهرة 1997، وكتاب «النصّ والأسلوبية» لعدنان بن ذريل 2000، و»البنى الأسلوبية في شعر السياب» لحسن ناظم 2002، و»قراءات أسلوبية في الشعر الجاهلي» لموسى ربابعة 2002، و»الأسلوبية في النقد العربي الحديث» لفرحان بدري الحربي 2003، وكتاب «ظواهر أسلوبية في شعر بدوي الجبل» لعصام شرتح 2005، و»المجرى الأسلوبي للمدلول الشعري العربي» لعلي الملاحي 2007، وكتاب «الأسلوبية؛ الرؤية والتطبيق» ليوسف أبو العدوس 2007، و»السمات الأسلوبية في الخطاب الشعري» لمحمد بن يحيى 2011، وكتاب الهادي الجطْلاوي «مدخل إلى الأسلوبية تنظيرا وتطبيقا» 2011، عدا الكثير من البحوث، والمقالات، المنشورة في الدوريات، أما ما نشر بعد كتاب بن سمعون فأكثر من أن يُحصى.
وعلاوة على أن الكتاب يُلمْلمُ – إذا جاز التعبير- شظايا الصورة التي توضح موقع الدراسات الأسلوبية من الخطاب النقدي العربي الحديث، فقد سعى في فصوله لتقويم بعض هذه الدراسات، وتدقيق النظر في مدى الانسجام فيها بين التنظير والتطبيق. ووُفق في بعض الفصول، وجافاه التوفيق في مواضع ساذكرها بعد وضع القارئ في أجواء المصنف على وجه الاختصار والتكثيف.
فإذا تجاوزنا حديثه العام، والمتكرِّر، في الكثير من الدراسات، والمرجعيّات، عن أنَّ لغة الشعْر لغة تختلف عن لغة النثر، وعن لغة العلم، بما يتجلى فيها عادةً، ويُهيْمن عليها دائمًا، من انزياح يودي بالكلمة إلى الخروج من موقعها، أو حيزها المعجمي الدلالي، إلى حيّز ثانٍ، فتصبح دالة على معنىً آخر، لا علاقة له بمعناها السابق، كقول الشاعر – مثلا- : «تثاءَب المساءُ والغيومُ ما تزالْ « ففي هذه العبارة انتقلت كلمة «تثاءَبَ» التي تستعمل للدلالة على قوَّة النعاس، أو علامة من علاماته، لتنمَّ على معنى آخر في قصيدة السياب « أنشودة المطر «، فهي ها هنا تعني هبوط المساء، وحلوله. وإذا تجاوزنا أيضًا حديثه عن الصورة، وهي التي تشكلُ، إلى جانب الاستخدام المجازي للألفاظ، سمة مائزة للشعر عن سواه، فإننا نجد المؤلف ينتقل بنا من العام إلى الخاصّ، فيبحث في الصفحات من 45- 61 عن أنواع الأسلوبية، وأنماط النظر الأسلوبي في ما تراكم لديه من مؤلفات، فيتناول الأسلوبية التعبيرية عند شارلز بالي، والأسلوبية البنيوية لدى ميشال ريفاتير، والأسلوبية الإحصائية عند الألماني بوزيمان، وهي التي تنفرد عن غيرها باستخدام الإحصاء للوقوف على معدلات تكرار الكلمات، أو الجمل، داخل نصٍّ معين، وعلاقة هاتيك التكرارات بأسلوب الكاتب، أو الشاعر، وقد اعتمد على جان كوهين الذي تحدَّث عن هذا في كتابه «بنية اللغة الشعرية» Structure de Langage po tique الذي تُرجم من الفرنسية للعربية مرارا*. ومن الأسلوبيات نوع يهتم بدراسة العناصر التي لها علاقة، أو ارتباطات سيكولوجية، بشخصية الكاتب، أو الشاعر، وغالبا ما يُلاحظ هذا النوع من الأسلوبية في كتابات سبيتزر، وأتباعه.
 اختيارات
ومما يلفتُ النظر، ويسْتَحْوذُ على الانتباه، تخيُّر المؤلف بن سمعون لخمسة عشر كتابا من الكتب التي تبنَّى فيها مؤلفوها النظر الأسلوبي في دراساتهم النقدية للشعر؛ القديم منه، والحديث، دون أن يذكر الأسس التي اعتمدها في اختياره، أو إضرابه عن كتب أخرى ليست في عِداد ما اختاره، مع أن بعض هاتيك الكتب أكثر أهمية، وأكبر قيمة مما انتقاه، واعتمدهُ، في دراسته. فمن الكتب التي اختارها كتاب محمد الهادي الطرابلسي من تونس، وكان قد وقف جهوده على تتبع « خصائص الأسلوب في الشوقيات « مستخدما الإحصاء تارة، وتحليل التراكيب تحليلا مَوْضِعيًّا تارة أخرى. وتناول كتابا ثانيا لعبد السلام المسدي غير الذي ذكرناه في مستهل هذه المقالة، وهو كتاب «النقد والحداثة» 1983، وتوقَّف عند دراسة فيه لقصيدة «ولد الهدى» لأحمد شوقي (1868- 1932) ولا يخفى أنّ المسدي في دراسته تلك يسلط اهتمامه الشديد على البعد اللغوي، والبحث في طبيعة العلاقات بين التعبير، أو الدال، والمدلول. أما صلاح فضل فيَغْلبُ على إجراءاته الأسلوبية في كتابه « أساليب الشعرية العربية المعاصرة « 1995 الاهتمام بالتركيب، والانزياح، والسياق، والدلالة، جميعًا؛ مما أدى إلى ظهور أساليب متعددة في الشعر الذي يدرسه كالأسلوب الحسِّي عند نزار قباني(1923- 1998) والحيوي عند السياب (1926-1964) والدرامي لدى صلاح عبد الصبور(1931- 1981) والتجريدي عند أدونيس، والرؤيوي عند البياتي (1926- 1999) وغير ذلك من أساليب اكتفى المؤلف بذكره لها ذكرًا دون مُناقشة، أوْ سِجال، أو تمْحيص. فما الذي يعنيه صلاح فضل بالأسلوب الحيوي لدى السيّاب؟ وهل يُفهم من ذلك أن بقية الأساليب غير حيوية؟ ثم لمَ ينفرد البياتي بالأسلوب الرؤيوي؟ وهل كان أدونيس في شعره بعيدًا عن الرؤيا؟ أوَلمْ يُكثر في تنظيره من الحديث عن القصيدة الرؤيا؟ ولمَ ينفرد عبد الصبور بالأسلوب الدرامي؟ ألا يوجد في أشعار البياتي التي أفرط فيها باعتماد القناع، وكذلك أدونيس، أسلوبٌ دراميٌ؟ ومما لم يتداركه المؤلف على سعد مصلوح، وغيره، أن الإحصاء- في الدراسات النقدية - لا قيمة له إلا من حيث أنه مظهر» عِلْمَوي « فأنْ يتساوى كاتبان أو شاعران، إحصائيًا، في تكرار سمة أسلوبية معينة، لا يعني أنهما متجانسان أسلوبيا؟ والمنطق يقول، توكيدا لهذا، إن الأساليب تختلف، وتتباين، باختلاف الشعراء، والكتاب؛ ولهذا فإن المعطيات الإحصائية- في كل الأحوال - لا تعدو كونها ملمحا مساعدًا، لا غير، لمن أراد استخدام الإحصاء، مع أنه يجرد الدرس النقديَّ من سلاسته، ويضفي عليه جفافًا، وذبولا، ويُبْسا لا يستقيم مع الذوق الأدبي.
 ضبْط المفاهيم
ما يعاني منه صاحِبُنا بن سمعون هو غضُّه النظر عن مراجعة المفاهيم، فهو يستخدمها من حين لآخر دون تدقيق في المدولات، فهو يعرض كتابنا « الأسلوبية ونظرية النص « الصادر عن المؤسسة العربية ببيروت 1997 عرْضا يقف فيه عند فصل واحد من فصوله، وهو الفصل الأخير الموسوم بعنوان « من نحو الجملة إلى نحو النص « دراسة وتطبيق. والكتاب المذكور يضم عدَدًا من المقالات، والبحوث، بعضها مترجم، وبعضها موضوع، وأما الموضوع منها؛ فمنه ما يقف بنا إزاء نماذج من النظر الأسلوبي في التراث، على سبيل المثال موقف الباقلاني(402هـ) من الإعجاز الأسلوبي في القرآن الكريم، وهو موقف تتخلله، وتمر في أثنائه، أفكارٌ عن تبايُن الأساليب، واختلافها، بين شاعر وآخر، وبين كاتب وكاتب، وتباين الأساليب لدى الشاعر الواحد على وفق الموضوع، فأسلوب البحتري ( 205- 284هـ) في الغزل واللهو والوصف مباينٌ لأسلوبه في الحماسة ووصف الحرب، وأسلوب المتنبي (354هـ) فيهما مباينٌ لأسلوبه في الغزل، وقد ردَّ الباقلاني هذه الفروقَ، وعزاها إلى طبيعة الموضوع، وإلى طبائع الشعراء، فالبحتري غَزِلٌ، وجبانٌ في الحرب، ولهذا يضعُف في شعر الحماسة، ويختلف أسلوبه عنه في الغزل والوصف، وكذلك المتنبي كان يشهد الحروب، ويخوضها في كثير من الأحيان، لذا نجد أسلوبه مُتخيرًّا في الحرب، ووصف القتال، وأدواته، ونجده فاترًا ضعيفًا في الغزل، واللهو، وما شابه ذلك، أو شاكله من بعض الوجوه. ومن هذا القبيل البحث في فكرة الأسلوب عند عبد القاهر الجرجاني(471هـ) وارتباطها بالتركيب النحوي، وعوامل الاختيار، من: فصْلٍ ووَصْل، ومن حذفٍ وذكر، ومن تقديم وتأخير، ومن زيادةٍ ونقصان، ومن نفي وإخبار، ومن حَصْر وقَصْر، ومن قطْع يعقبُه استئناف.. إلخ. مع التوقف عند نظريته في النظم، وما تتفتَّقُ عنه من جذور أصيلة للنظر الأسلوبيّ في التراث إذا جاز التعبيرُ وساغ. وفي الكتاب الذي اختاره بن سمعون أربعة فصولٍ عن الأسلوبية لدى الغربيِّين. وهي فصولٌ مترجمة، لا موضوعة. والحديث عنها - ها هنا- لا يقدمُ ولا يؤخِّر، بَيْدَ أن ما كنا نتمناه هو أنْ يُفرق المؤلف بين هذه الفصول وبين النظر الأسلوبي التطبيقي، الذي تَغيَّا دراسته في الكتاب. فبعضُ هاتيك الفصول ذو علاقة بنشأة الأسلوبيَّة بصفتها فرْعًا من فروع اللسانيات، وبعضها يتَّصل بمفهوميْ الكناية metonymy والاستعارة metaphor  عند أحد الشكليّين الروس، وهو رومان ياكوبسون (1896- 1982) وتأثير كل منهما في محوري المجاورَة syntagmatic والاستبدال، أو الانتقاء paradigmatic .
 نحو النص
أما الفصلُ الذي وقف لديه المؤلف دارسًا، مُمحّصا، فهو الفصل الأخير الموسوم بعنوان « من نحو الجملة إلى نحو النص؛ دراسة وتطبيق «.والعجيبُ، الذي يستغربه المرءُ، أن المؤلف لم يتنبه لاتصال هذا البحث بميدان آخر مختلف من ميادين النظر في الخِطاب، وهو ما يعرف بعلم قواعد النص، أو نحو النص Text Grammar وبعضهم يسميه علم لغة النص Text Linguistics وآخرون يطلقون عليه اسم تحليل الخطاب Discourse Analysis وسمّاه محمد العربي الخطابي لسانيات النص في مؤلفٍ له بهذا العنوان**. وقد ُذكر في الصفحات 135- 147 من الكتاب، الذي هو مَوضع تتبُّع بن سمعون، ما يوضِّح مرتكزات هذا النحو، وما يختلفُ فيه عن نحو الجُملة، مستوفيًا في ذلك آراء هارفنغ،وودسون، وبيوغراند، ودرسلر، ورقية حسن، وهاليدي، وفان دايك، وكلهم حُجة في هذا المضمار، ومصدرٌ أساسيٌ من مصادر هذا التيار، ولسنا ندري لم تهيأ للمؤلف أنَّ التطبيق الذي تناولنا فيه أنشودة المطر (ص148- 162) تطبيقٌ أسلوبيٌ، ولأنّ المنطلق الذي انطلق منه المؤلف بُني على هذا الخلط في المفاهيم، فقد جاءَت النتيجية التي توصَّل إليها بعيدة عن الواقع. لهذا يقولُ المؤلف: « إن المحاولة التي قام بها إبراهيم خليل في كتابه « الأسلوبية ونظرية النص « لهي محاولة نقدية متميِّزة، ولكن، رغم ذلك،  كان التحليل الذي قدَّمه لقصيدة « أنشودة المطر « تحليلا شموليًا، دون تقيُّد بإجراءات التحليل الأسلوبي، فقد انصبَّ اهتمامه على توضيح أهمية نظريّة النص، فحلَّل القصيدة مُعتمدًا ثنائية الانسجام، والاتساق «.
والعبارة الأخيرة تنمُّ عن أنَّ المؤلف- غفر الله له، وعفا عنه - لا يفرق بين الدراسة الأسلوبية، والدراسة التي تتغيا البحث فيما يكون به الملفوظ الكلامي، أو الخِطابُ، نَصًا. وهذا هو بيتُ القصيد في الفصل الذي توهَّمه دراسة أسلوبية، وهو في الحقيقة دراسة « نحْو- نصية «.
*ترجمه محمد الولي ومحمد العمري، وصدر عن دار طوبقال في المغرب 1986 ثم ترجمة أحمد درويش، وصدر عن الهيئة العامة لقصور الثقافة، بمصر 1990، ووَرد العنوان بالفرنسية غير دقيق.
** صدر هذا الكتاب الذي يحمل عنوانا فرعيا وهو «مدخل إلى انسجام الخطاب» عن المركز الثقافي العربي في بيروت والدار البيضاء 1991 

رئيس مجلس الإدارة: محمد داوودية - رئيس التحرير المسؤول: مصطفي الريالات - المدير العام: الدكتور حسين العموش