الصفحات
الكاملة
تيوب
الدستور
رسالة جلالة
الملك للدستور
موقع
زوار الأردن
موقع
جلالة الملكة
موقع
جلالة الملك

إدارة البلاهة

ابراهيم عبدالمجيد القيسي

الخميس 5 تموز / يوليو 2018.
عدد المقالات: 1848

الغباء والكذب؛ صفتان لا أحبذهما في الذين أتفاعل معهم، فلا أقبلهما في صديق مثلا، وإن قبلتهما اضطراريا فإنه قبول لا يدوم، وبهذا المعنى فإن لا مكان للصوص والفاسدين في علاقاتي، لكن ماذا عن البلهاء؟ الذين فقدوا الاتصال مع الواقع، ويعانوا من خلل كبير في التواصل مع كل شيء في حياتهم؟ الذهان مرض له أسبابه، وهو ناجم عن خلل في التواصل مع الواقع، وقد نقبله ونتعامل معه كمرض يصيب الناس نتيجة لحادث او ورم في الدماغ، أو ضعف ما في أداء «المخ».. الله يشفي كل الناس، ويعينهم على بلاويهم.. قولوا آمين، قولوها بصدق أيضا.
ماذا عن الذهان والبلاهة إن غدت صفة تلازم عقل الحكومات والدول؟ هل نكتفي بالدعاء لها أن تشفى، أم يصبح المطلوب منا لفت انتباهها وتوجيهها الى جادة الصواب وعدم خشية الاكتواء قليلا بحرارة الواقع؟..
يوجد علوم ونظريات في إدارة مثل هذا الواقع الذي قد تبلغه المجتمعات والدول، سيما ونحن نعيش ثورة تكنولوجية تؤثر في ثقافات الناس وتفاعلهم اليومي، وبسبب وسائل التواصل المختلفة وطغيان التكنولوجيا وتجذرها المتسارع في حيواتنا قد تتعرض ثقافات الى التقهقر والاضمحلال، وتغيب عن الفعل وتفقد قدرتها على التواصل مع الجمهور ومع الواقع بشكل عام، وتحت الضغوط المتصاعدة تلجأ هذه الدول الى إدارة البلاهة بشكل مؤسف، يقود الدول والشعوب الى مزيد من التقهقر والتخلف على طريق الإضمحلال التام.
فلنواجه أنفسنا بالاعتراف بأننا أصبحنا نقبع تحت غيمة أو خيمة شاسعة من البلاهة، ونغرق في اتون أزمات كانت بالأمس متواضعة ويسهل الخروج منها لولا البلاهة المقيمة، التي دفعتنا إلى مزيد من التخبط والاكتفاء بسلطة الكلام غير الموضوعي، وسوف أورد أمثلة بسيطة على مثل هذه السلطة التي يقدمها مدراؤها على أنها الفتح الوطني الأكبر لكل القضايا، حيث يقدمونها لنا على طبق من الكلمات وليس من خلال التوقيتات والاستراتيجيات الجادة..
مذهلة جدا؛ كما يقول البلهاء عن الأفكار التي تصدر عن كثير من المسؤولين، وقد تكون كذلك فعلا، لكنها غير موضوعية وغير منسجمة مع حقيقة حدّة أزماتنا وجنونها، وعلى سبيل المثال: اطلقنا استراتيجية تنمية الموارد البشرية قبل عامين تقريبا، وتم وضع «استراتيجية تنفيذية للاستراتيجية الوطنية لتنمية الموارد»، وبسرعة الضوء انبثق عنها قوانين !، «صدقوني»..أقول قوانين أصبحت نافذة، علما أن الاستراتيجية جميلة ومطلوبة لكنها مبنية على توقيت، وتحتاج زمن لا يقل عن 10 أعوام لرؤية بعض نتائجها، كما تحتاج الى «مليارات» لتطوير البيئة وتهيئتها تماما لتنفيذ هذه الاستراتيجية على كل الصعد، لا سيما على صعيد تطوير التعليم، وسوف نكتشف قريبا أن مثل هذا التفاعل مع «فكرة كبيرة» هو الذي قتلها، وحولها الى عكسها، فنحن مقبلون على التخلي تماما عن التعليم بكل مستوياته وتركه نهبا لأفكار السوق التي تعج بالزبائن المتسوقين ..
وقبل أسابيع جاءت حكومة الدكتور الرزاز، وانطلقت الكلمات المؤيدة والمشجعة والمعجبة بالحكومة، وما لبثت سوى أيام حتى نكصت، وأصبح خطاب الاعجاب ينحسر شيئا فشيئا، ثم سمعنا كلمات كبيرة من الرئيس الرزاز، تشبه في أهميتها الاستراتيجية الوطنية المذكورة، فنحن نحتاج إلى ترجمتها على ارض الواقع بلا شك، لكننا ننفذها بطريقة تقتلها وتحيلها الى مجرد عبء أنسب لحالة الأعباء التي نصنعها جراء الكلام الذي نطلقه «تنويرا»، فنكتشف بأنه كلام منبثق عن فلسفة شراء الوقت، وتسكيت المتسائلين، لكنه لا يطعم الجوعى ولا يشفي المرضى، ولا يكفي المتعطلين عن العمل ويقدم لهم دخلا ماليا يبنون به حيواتهم ويطمئنون ولو مرحليا على يومياتهم وليس على مستقبلهم.. من سمع الرئيس يتحدث عن النهضة ومشتقاتها؟ ومن يفسر لي أو يقنعني بجدوى الحديث عن تغيير العقد الاجتماعي بينما كل الكيانات الاجتماعية ومنظومات قيمها تتفكك وتهوي نحو الاضمحلال؟!.
ما الذي نفهمه من توضيح الوزيرة لمعادلة تسعير المشتقات النفطية؟ ماذا أضافت لحل تلك الأحجية أو حتى لفهمها؟ لاشيء يذكر، بل ازداد الناس استياء، واكتشفوا أن الجسور التي قرروا تدشينها لاستعادة الثقة بالحكومات هي بدورها مجرد ضلالات بائسة تقع ضمن سلطة الكلام المعتمدة كخطاب رسمي..!.
أما عن الهدر الحكومي حتى لا أقول الفساد، فهو يتجلى في صورة قانونية أخرى، حيث قام جلالة الملك بتوجيه الرأي العام نحو ثقافة التواصل بين المسؤول وبين المواطن، بالخروج الى الميدان وتنوير الناس والالمام بقضاياهم، وقالت الحكومة بأنها ستعمل على تقليص 150 مليون دينار سنويا من النفقات، لكن الذي يجري هو همّة وزارية يقوم بها وزراء ومسؤولون، يمضون وقتهم اليوم في الميدان، بجولات من العلاقات العامة والتواصل الغارق بالابتهاج بينما تزداد نفقات المواصلات والوقود، والعزايم و»سلخ الوعود الخيالية» فكلها تحتاج نقودا، بينما الحقيقة تقول « ما في مصاري».
كلهم مبدعون وخارقون أما أنا فأقول: وين «السكاير»؟ نريد المزيد من الدخان والغبار.. فهو قد يبدد البلاهة أو يجعلها تنتظر «هنيهة» قبل أن تتعقد ونحن من سيتبدد!.

رئيس مجلس الإدارة: محمد داوودية - رئيس التحرير المسؤول: مصطفي الريالات - المدير العام: الدكتور حسين العموش