الصفحات
الكاملة
تيوب
الدستور
رسالة جلالة
الملك للدستور
موقع
زوار الأردن
موقع
جلالة الملكة
موقع
جلالة الملك

لمن يجرؤ فقط

د.حسان ابوعرقوب

الخميس 12 تموز / يوليو 2018.
عدد المقالات: 60


تنوعت أديان الناس ومذاهبهم وأفكارهم ومعتقداتهم، وهذا التنوع الفكري والاعتقادي ينسجم مع التنوع المادي المشهود في الكون كله، وليس غريبًا عنه. لكنّ الغريب ألا نقدرَ على الانسجام باختيارنا، كما انسجم هذا الكون المسيَّر بأمر الله تعالى. فالكون متسّق في حركته يكمل بعضه بعضا، والبشر تتصارع فيما بينها، جاعلة من الاختلاف نقطة للنزاع والتناحر، بدل أن تكون نقطة للتعاون بغرض التكامل، وكأنّ الإنسان يسير بحركته خلافا لمدار الكون وسُننه.
ومن الطريف أنك تجد تشابهًا بين هؤلاء المتديّنين إلى حدّ يجعلك تتساءل: لمَ يتقاتلون؟ فكل منهم له إله يعبده ويتوجه إليه ويرفع له حوائجه، وربما كان لبعضهم أكثر من إله. ولكل منهم صلاة يتقرب بها إلى الإله، وهم يصومون بأشكال مختلفة، ويحجون إلى أماكن مختلفة، ولكل كتابه المقدس، ومعبده، ورجال الدين أو كهنته أو علمائه، الذين يقدمون المواعظ في أيام منتقاة، يجتمع فيها المتدينون، الذين ينهون سماع موعظتهم بالتبرع لبناء معبد جديد، أو دعم بعض النشاطات التي يقوم بها ممثلو الديانة أو الطائفة. وكلهم على اختلاف أديانهم يخافون من غضب الإله، ويرجون رحمته وعفوه ومسامحته، ويندمون عندما يعصون أمره، ويقدمون له القرابين والذبائح، وينفقون الأموال طلبا لمغفرة خطاياهم، ويحاول كل منهم أن يكون صالحا أمام الإله الذي يعبده كي ينال السعادة الموعودة. ولكل رجل دين أو كاهن أو عالم لباس يميزه ويعرف من خلاله، فهو بمثابة الهوية المعرفة له، وكذلك الحال عند طائفة من المتدينين يتميزون بأزياء خاصة تجعل من اليسير تمييزهم عن غيرهم.
كل تلك التشابهات لم تنجح بجمع أهل الأديان؛ لأنّ كل واحد منهم لا يقبل التشابه مع الآخر، بل يريد منه أن يتطابق معه، بأن يصبح الآخر مثله تمامًا؛ لأنه لا يقتنع بكونه شبيها له؛ ولأن هذا الشبه لن يمنعه من أن يتخذ الآخرعدوًّا وخصمأ له.
لسنا بدَعًا من الأمم، فتعدد الأعراق والأديان موجود في العالم كله، وبكثرة تفوق الأعداد الموجودة عندنا، لكن عندما تتخذ الحكومات قرارها الحاسم والحازم في أن يجتمع الجميع في صنع نهضة الأمة بغض النظر عن التفاصيل التي تفرق وتقسّم وتنوّع، لن يكون ذلك أمرًا مستحيلا، لكنه لن يأتي بشكل عشوائي أو اعتباطي، بل هو فكر وسلوك يحتاج إلى زراعة ورعاية، كي تقطف ثماره.
ومثال ذلك التجربة الماليزية في هذا المجال، حيث نلحظ تعدد الأعراق والأديان داخل المجتمع الماليزي، والذي كان عقبة أمام التنمية والتقدم في يوم من الأيام، ولما قرر هذا المجتمع برعاية حكومية أن يضع خلافاته جانبًا وأن يعمل لنهضة بلاده كان ما أرادوا، وتمت النهضة.
العمل بروح وطنية واحدة يجعلنا نستفيد من الكفاءات ضمن مؤسساتنا، مما يرفع من طاقاتها وعطائها وإبداعها؛ لأننا سنرى الإنسان المناسب (ذكرا أو أنثى) في المكان المناسب، بغض النظر عن دينه أو مذهبه أو عرقه أو أصله أو منبته. ولا بدّ أن تمارس الحكومات هذا السلوك بنفسها، قبل أن تتكلم فيه مع الناس، فنحن نرى بعض الحكومات القائمة على المحاصصة تتشدق ليل نهار بالوحدة الوطنية والانسجام.
المطلوب في الفترة اللاحقة أن تبدأ الحكومات بخطوات عملية، لصهر جميع مكوناتها ضمن القالب الوطني، بعيدا عن أي تمييز أو محاصصة، ثم لتسير ضمن خطة وطنية شاملة لتعزيز الهوية الوطنية لتكون الحاضرة في أذهان الشعب، والجامعة بينهم، بعيدا عن أصحاب مراكزالقوى وملوك الطوائف الذين من مصلحتهم تعزيز الهوية الطائفية والانقسام المجتمعي، لكنّ السؤال: من يجرؤ؟

رئيس مجلس الإدارة: محمد داوودية - رئيس التحرير المسؤول: مصطفي الريالات - المدير العام: الدكتور حسين العموش