الصفحات
الكاملة
تيوب
الدستور
رسالة جلالة
الملك للدستور
موقع
زوار الأردن
موقع
جلالة الملكة
موقع
جلالة الملك

جدل الهُوية وحوار الحضارات المعاصرة

تم نشره في الجمعة 13 تموز / يوليو 2018. 12:00 صباحاً


الدكتور مجد الدين خمش
تعرّف الهوية الثقافية، أو الجماعية بأنها تصوّرنا حول من نحن، وما هي خصائصنا المشتركة، ومن هم الآخرون المختلفون عنا، وما خصائصهم المشتركة التي تختلف عن خصائصنا؛ وما مصدر خصائصنا المشتركة، وما مصدر خصائص الآخرين المشتركة؛ فالهوية بهذا المعنى ليست فردية فقط، وإنما جماعية، وبالتالي، فهي انعكاس للثقافة المجتمعية العامة التي تُغلف حياة الأفراد، وتطبعهم بطابعها الخاص المستمد من الأساليب الانتاجية السائدة، والجماعات والنظم الاجتماعية، والمهارات السلوكية، والعقائد الدينية، والمشاعر والاتفاقات المشتركة، والبنى أو المؤسسات الرسمية، وأساليب التعبير اللغوية، والفنية، والتراث الاجتماعي المتراكم عبر الأجيال بما فيه من عادات وتقاليد وقيم، ويرتبط هذا التراث الاجتماعي المتراكم بالأساليب الانتاجية السائدة، مدعّماً الجماعات والمؤسسات، والبنى الرسمية، والمهارات السلوكية والمشاعر المشتركة، وما يتداخل معها من أساليب التعبير اللغوي، والفني، والأدبي تُشعر الأفراد بالراحة والفخر والاعتزاز لانتمائهم لهذه الثقافة، وحملهم لهويتها المميزة.
وحيث إن هذه الثقافة المجتمعية العامة بمكوّناتها المختلفة المتداخلة مشتركة بين الأفراد والجماعات، والمؤسسات في أمة ما، أو شعب ما فإنها تعطي هذا الشعب، أو الأمة طابعاً عاماَ محدداً موحداً إلى حد كبير، يختلف ويتمايز عن الطابع العام الذي يميز شعباً آخر، أو أمة أخرى لها ثقافة مجتمعية عامة مغايرة، أو مختلفة.
 الأهمية السياسية للهوية
 كما هو الحال في غالبية المجتمعات الإنسانية كانت الهوية الجماعية، أو الثقافية في المجتمع العربي منذ البداية ولمّا تزل، أداة سياسية يتم اللجوء إليها من قبل القيادات الفكرية – الأيديولوجية التي تهيمن على الساحة السياسية لمقارعة « الآخر» الخصم. وهو ما ينطبق على الهوية القومية العربية حيث كانت في بداية تطورها في منتصف القرن التاسع عشر الميلادي في العصور الحديثة  أداة  الحشد، والتجنيد، والحراك الجماعي فكريا وسياسيا للتمرد على الهوية العثمانية الطورانية التي شكلت في ذلك الوقت تهديدا جديا للعرب وطموحاتهم، وآمالهم، وتطلعاتهم القومية.
وتترافق جهود المحافظة على زخم هذا الدور السياسي للهوية الثقافية غالباً مع حملات إعلامية مركزة للإبقاء على دينامياتها حية وجاهزة للاستثمار السياسي. لذلك نرى هذه المبالغات في تقريظ الهوية الثقافية ومؤشراتها المختلفة مثل أنماط السلوك النمطية، والأزياء، واللهجة، والرموز الدينية، وأصناف الطعام الشعبي، والأغاني الشعبية، والأسماء، والألقاب، والمظهر الجسماني الخارجي. مما يؤدي إلى إنشاء هياكل للهوية من الصعب المساس بها، أو مناقشتها. ومثل هذه الهياكل تمنع التلاقي والتقبل المتبادل والانفتاح الحقيقي بين الحضارات مما يضع قيودا على حوار الحضارات، وحوار الأديان.  كما وتمنع مثل هذه الهياكل تقبل الحداثة، وتطور الديمقراطية الحقيقية، وتغيير الواقع بما يمهد الطرق لإحداث تقدم حقيقي في المجتمع.
 الهوية الجماعية والعلاقة مع الآخر الحضاري
الهوية الجماعية مهمة ويجب أن تحترم، لكنها تحاط  بتقديس مبالغ فيه من قبل تياراتها؛ تقديس يمنع التلاقي والانفتاح الحقيقين – كما أشير من قبل- مما يجعل الهوية الجماعية بالنسبة لحامليها خطا أحمر عصيا على المساءلة، أو الانتقاد، أو التغيير. لكن العولمة الثقافية وأدواتها الإعلامية جعلت الثقافات تتلاقى، وتندمج، بحيث لم يعد بالوسع الحديث عن ثقافة نقّية،وأحادية ؛ فجميع الثقافات هجينة ، تعددية، وغير وحدانية - كما يؤكد إدوارد سعيد الذي يوجه من  خلال مؤلفاته، لا سيّما كتابه ( الثقافة والإمبريالية)  انتقادات لطروحات صاموئيل هانتنجتون حول الحضارة الإسلامية، وحول حتمية صراع الحضارات داعيا إلى إبراز، وتعظيم ماهومشترك بين الحضارات.
وتلاحظ مثل هذه المبالغة في تقديس الهوية على مستوى الجماعات، والمجتمعات والدول مما قد يعرقل تقبل التحديث والتطوير في عديد من الحالات. حيث يعتبر كل مجتمع أن تراثه الثقافي أفضل تراث مقارنة بالتراث في مجتمعات أخرى، وأن هويته الجماعية أفضل وأقدس هوية مقارنة بهوية مجتمع آخر وهو ما يخلق حواجز ثقافية-نفسية أمام التسامح والحوار، وتقبل الآخر المختلف، وتعلم خبرات ومهارات جديدة في العمل والانتاج ويعيق التنمية والتطوير ليس في العالم العربي فحسب وإنما في غالبية بلدان العالم الثالث. وقد حذر من ذلك إدوارد سعيد، وعبد الله العروي، وفهمي جدعان، وعدد آخر من المفكرين العرب وغير العرب في كتاباتهم مطالبين بإيلاء موضوع الهوية والمبالغة في إظهار رموزها أهمية مناسبة عند تحليل العلاقات الثقافية بين الشعوب، وعند وضع الخطط الحكومية للتنمية والتطوير، إذ لا يكفي التركيز فقط على العوامل الاقتصادية والسياسية في هذه الحالات. وبالطبع فإن درجة مناسبة من التمسك برموز الهوية أمر إيجابي ومطلوب لضمان الاستقرار الاجتماعي والاستدامة الثقافية.
 جدل الهوية لدى جيل الاغتراب العربي في الغرب
يحاول الشباب العربي المغترب في المجتمعات الأوروبية حل معضلة الاندماج في المجتمعات المضيفة لتحقيق النجاح المهني والمادي، والتمتع برغد العيش الذي تتيحه هذه المجتمعات لمن ينجح  مادياً فيها فيصتدمون نتيجة لذلك بطروحات الحركات الإسلامية السياسية المتشددة، ودعاتها من المتشددين، الرافضين للمجتمعات المضيفة وثقافاتها بالرغم من أنهم اتخذوا من هذه المجتمعات ملاذاً لهم يبثّون فيها أفكارهم ودواعيهم، بعد مطاردتهم في مجتمعاتهم الأصلية التي نبذتهم لتطرفهم، وتشددهم، ورفضهم للمجتمع المعاصر.  وهم يناصبون الاندماج الكلي أو الجزئي في المجتمعات المضيفة صريح العداء، كما يناصبون النساء وحقوقهن صريح العداء أيضاً. ويمتد هذا العداء إلى مجتمعاتهم الأصلية التي تركوها وليس إلى المجتمعات المضيفة فقط.
ومن المهم أن يحظى هذا الموضوع بالاهتمام البحثي والفقهي من قبل مراكز الأبحاث العربية والإسلامية بحيث يتم تقديم منظور فقهي إسلامي متسامح، معتدل للاندماج، يدّعم حاجة ورغبة الشباب المسلم المهاجر لتعلم لغة المجتمع المضيف، والحصول على التدريب المهني المناسب للحصول على وظيفة ودخل مناسبين. والتعامل بانفتاح وتسامح مع عادات وتقاليد وقيم الناس في هذا المجتمع المضيف، مع التمتع بحرية إقامة شعائره الدينية الخاصة، والاحتفاظ بمشاعر الفخر بأصوله ومعتقداته ضمن دوائر خاصة، تراعي احترام واختلاف الآخرين، وخصوصياتهم. وهذا ما يميّز واقع غالبية المهاجرين العرب والمسلمين في البلدان الغربية، حيث تقبلوا ثقافة المجتمعات المضيف مما مكّنهم من الاندماج المناسب، وتحقيق النجاح المادي في هذه المجتمعات. كما يميّز الجماعات الكورية الجنوبية المهاجرة، وكذلك الجماعات الفيتنامية، والهندية، وعديد من الجماعات الأوروبية الشرقية التي نجحت في الاندماج في المجتمعات الغربية المضيفة مع المحافظة على ثوابت خصوصياتها الثقافية، فحصلت على تقبل واحترام هذه المجتمعات المضيفة، وتمتعت بمناخات الحرية فيها، ومستويات المعيشة المرتفعة التي لطالما صبت إليها.
وحتى بالنسبة للمهاجرين السوريين إلى أوروبا الذين وصلوا إلى عدد من الدول الأوروبية، لا سيّما ألمانيا، وأغلبهم من اللاجئين الذي فروا من فظاعات داعش، وقسوة الحرب الأهلية في سوريا التي لا تزال مستعرة منذ أكثر من خمس سنوات، يتبين من نتائج عدد من الاستطلاعات الألمانية أنهم يتجهون نحو الاندماج في المجتمع الألماني إقتصادياً واجتماعيا بما يؤدي إلى اكتساب هوية ثقافية جديدة بالتدريج تُغني هويتهم الأصلية ولا تستبدلها. فقد أوضحت نتائج معهد أبحاث سوق العمل الألماني في نهاية عام 2016 المستمدة من 230 لاجئاً سورياً أعمارهم 15 سنة فما فوق أن 66% منهم يخططون للحصول على تدريب مهني يتناسب مع متطلبات سوق العمل الألماني، وأن 23% منهم يخططون للالتحاق بالجامعات والحصول على شهادة جامعية. كما يرى 30% منهم أنهم سيتمكنون من الحصول على عمل في ألمانيا خلال ثلاث سنوات. ويدعم 96% منهم النظام الديمقراطي على النمط الغربي، ويتقبلون القيم الاجتماعية الألمانية بما في ذلك المساواة بين الجنسين، وبنسبة 92% من المجموع. كما يرون مسلمون ومسيحيون أن القيادات الدينية ليست فوق القانون، وأنها يجب أن تحاسب عند الخطأ، وبنسبة 72% من المجموع.
وهذه النتائج واقعية ومهمة، تؤشر على نمط عام لدى اللآجئين السوريين الشباب للاندماج في المجتمع الألماني، بالرغم من عديد من المخالفات الصارخة،لاسيما التحرش الجنسي بالنساء الذي قام به نفر من هؤلاء الشباب أثناء الاحتفالات الألمانية الموسمية، فقد شارك مئات اللآجئين السوريين في تظاهرات ضد التحرش الجنسي بالنساء في مدينة كولونيا الألمانية معلنين أن المتحرشين مجرمين (حتى وإن كانوا من السوريين أو العرب)؛ لا يمثلون القيم العربية، وذلك تحت شعار «سوريون ضد العنف». كما نظم عدد كبير من الشباب بمشاركة من الجمعيات الإسلامية المعتدلة مظاهرات ضد الإرهاب في أستراليا، وفرنسا، وفنلندا في إثر الاعتداءات الإرهابية الآثمة التي طالت فئات من المواطنين في هذه البلدان في النصف الثاني من شهر آب /2017.

رئيس مجلس الإدارة: محمد داوودية - رئيس التحرير المسؤول: مصطفي الريالات - المدير العام: الدكتور حسين العموش