الصفحات
الكاملة
تيوب
الدستور
رسالة جلالة
الملك للدستور
موقع
زوار الأردن
موقع
جلالة الملكة
موقع
جلالة الملك

قلوب تحجرت

رمزي الغزوي

الثلاثاء 24 تموز / يوليو 2018.
عدد المقالات: 1953

سيظل يلهب وجعي شلال الحليب المراق، في واحد من أودية التراب. وسيبقى السؤال يهمزني ويحرقني: كيف لمن يقدر معنى الحياة، أن يتلف شيئا ربما يكون حياة لكثيرين؟. ذلكم الفيديو الذي تسرب قبل أشهر، ويظهر صاحب مزرعة يدلق بغضب كميات وفيرة من الحليب؛ بحجة أن أسعاره لا توازي طموحه ومصلحته. 
أدري أننا لم نكن نحتاج لمثل هذه الأخبار؛ لنعرف أن قلب الإنسان ليس دائما على قلب أخيه. وأدرك لو أن الناس تربوا على فكرة، أن الشيء الذي تتلفه لربما يكون هدفاً كبيراً للآخرين. عندها سيحق لنا أن نهمس: ما زالت الدنيا بخير.
تكمن أفضل النماذج التعامل الإنسانية في مبدأ (ربح- ربح). بمعني أن تكون كل أطراف المعادلة في حالة رباح ورضى. لكن ثمة من لا يؤمن إلا بفكرة أن يكون هو الكاسب الأوحد، ولغيره التراب، وكثيرون لا يتوانون عن منع وصول الخير للآخرين، حتى ولو خسرهم هذا الفعل خسارة مضاعفة.
نتذكر بفاجعة كيف كانت الشركات الأمريكية المتحكمة بتجارة القمح تلقي حمولة بواخرها المهولة في عرض المحيط، حينما تحس أن أسعارها قد تشهد انخفاضا حال  زيادة المعروض. وهكذا يفكر الكبار في أغلب أوقاتهم.
قبل أيام أعلنت  شركة بربرى البريطانية الشهيرة للأزياء والعطور الفاخرة أنها أحرقت منتوجات غير مباعة بقيمة تتجاوز الـ28 مليون جنية استرليني. وهذا ليس الحدث الأول، فقد بلغ مجموع ما أتلفته في السنوات الخمس الماضية 90 مليون جنية استرليني.
لن أقف عند الحجة التي تتخذها هذه الشركات من أنها تقدم على هذه الخطوة للمحافظة على أسعار سلعتها. وخوف أن تصل إلى أيادي الناس، لاسيما الفقراء منهم، بسعر زهيد، يقلل من شأنها وهيلمانها. بل سأقف عند بقية الخبر، الذي أفاد بأن عملية الحرق تمت بطريقة آمنة وصديقة للبيئة، وأنه تمت السيطرة على كل المخلفات الناتجة عن الاحتراق.
اي استهتار هذا بمشاعر بني الإنسان وجهدهم ومقدراتهم. وأي استغفال وجشع، والأدهى أن هذه السلع التي هي في حقيقتها ليست مكلفة على الشركات، ولكنها تحبذ حرقها على أن تصل للفقراء.
أزعجني حرق العطر كدلق الحليب. ولهذا سأقدم اقتراحا مجانيا لبربرى وأخواتها شركات العطور: ديور وشانيل وغوتشى وفهرنهايت ولبدس. أرجوكم لا تحرقوا عطوركم، إنها ستذهب كربونا ودخانا يعكر أجواءنا ويخنقها. وحبذا لو تنشروا لنا عطركم غيمة كبيرة، تسرح في عالمنا، البشع الجشع، علها تنفث أو تمطر وردا ورائحة طيبة، تعيد بعض الصواب لمن تحجرت قلوبهم فوق ما ينبغي.

رئيس مجلس الإدارة: محمد داوودية - رئيس التحرير المسؤول: مصطفي الريالات - المدير العام: الدكتور حسين العموش