الصفحات
الكاملة
تيوب
الدستور
رسالة جلالة
الملك للدستور
موقع
زوار الأردن
موقع
جلالة الملكة
موقع
جلالة الملك

كلام على نقدنا الروائي

تم نشره في الجمعة 27 تموز / يوليو 2018. 12:00 صباحاً
  • القواسمه.jpg


د. محمد عبدالله القواسمة   
يُلاحظ على كثير من الأبحاث والدراسات النقدية التي تتناول الرواية،والتي تصدر عن مؤسسات ثقافية وتعليمية مشهورة،سواء تلك التي تُنشر في مجلات محكمة أم في كتب نقدية،بأنها تخلو من أي إضافة منهجية،أو معرفية ذات قيمة؛ فلا نجد في أغلب هذه الأعمال جهودًا نقدية مميزة، تُضيف جديدًا إلى الحياة الأدبية والثقافية؛ فكلّها تطبيق لنظريات ومقولات نقدية غربية محشوّة بمراجع وإحالات متكلسة ومتكلفة.
في الحقيقة لا ضير من الاستعانة بأجهزة نقدية ومفاهيمية من الغرب؛ فالتلاقح الفكري سنة من سنن الحياة الثقافية، ولكن المشكلة تكمن في هذا النقل الحرفي، والتطبيق الآلي للنظريات النقدية الغربية دون إضافة، أو تحوير، أو تعديل، أو حتى إبداء رأي خاص.تغلب هذه الظاهرة على الدراسات الأكاديمية في الجامعات والكليات الجامعية؛ لهذا تبدو هذه الدراسات قوالب جامدة ممتلئة بالمعلومات عن الموضوع المدروس، ولا حياة فيها.
لاحظت في الآونة الأخيرة أن بعض الإصدارات النقدية التي تناولت الرواية جاءت وكأنها تلخيص للروايات،أو إعادة لكتابتها بأسلوب حكائي ممل.إن مثل هذه الأعمال تفيدنا في معرفة الإطار الذي تتحرك فيه الأحداث، وبيان الموضوع الذي تدور حوله لكنها لا تفيد في تقييم العمل الروائي،وبيان جمالياته، ومستواه من بين الأعمال الروائية الأخرى، كما لا تُساعد الكتّاب على تجويد أعمالهم، أو الارتقاء بذائقة القارئ الجمالية. إن تلخيص الرواية عمل يمكن أن يقوم به أي قادر على القراءة، أو أي قارئ عادي.
كما لاحظت أن كثيرًا من الدراسات والأبحاث تتمحور حول مواضيع الروايات منفصلة عن أشكالها الفنية؛ فتبدو كأعمال فكريةبحتة،يُناقش أصحابها كأنهم مفكرونأو باحثونفي علم الاجتماع، أو النفس، أو الاقتصاد وليسوا روائيين همُّ كل منهم،في المقام الأول، إنتاج عمل إبداعي جمالي.
كما يبدو أن ناقدنا الأدبي مغرم بالكم؛ فكلما كثر عدد الروايات التي يتناولها في دراسته التطبيقية أو بحثه التطبيقي وجد في عمله العمق والأهمية. هكذا نقرأ في كثير من الأحيان الإشادة بأن الناقد الفلاني تناول موضوع الإرهاب، على سبيل المثال، في أكثر من مئة رواية، أو بحثَ وضع المرأة الاجتماعي في عشرات الروايات. وهو في الحقيقة تصفح تلك الروايات، ووقف على نتف منها فيما يتصل بموضوعه. وربما لم تكن تلك الروايات تعالج الموضوع أساسًا،فليس كل رواية ورد فيها حدث إرهابي رواية عن الإرهاب، وليس كل رواية تعرضت فيها المرأة للظلم رواية موضوعها اضطهاد المرأة.
هذا الاهتمام بالكم ينبئ من اللحظة الأولى أن العمل فضفاض،ولا يتوافر فيه الاستقراءالسليم للموضوع الذي جاءت به الروايات.قد يُبهر هذا النوع من الدراسات بعض القراء العاديين لكنها لا تُغني العقول النقدية التي تحتاج إلى التحليل الدقيق، ومعرفة أبعاد الموضوع، والخروج بتصور شامل ومقنع لما يتحدث عنه الناقد.
ولا تغيب عنا ملاحظة أن كثيرًا من نقدنا الروائي ينجر وراء وسائل التواصل الاجتماعي التي تعج بالكتبة، الذين يصدرون أحكامهم على الأعمال الروائية، التي غالبًا لم يقرؤوها،بالإطراء والمدح. هذا الانجرار يجعل من الناقد بوقًا لما هو سطحي، وساذج، وضار.
ويحسن القول إن هذا التكاثر المفرط في الأعمال الروائية يدل دلالة واضحة على قلة الأعمال النقدية الجادة، وهذه ظاهرة ثقافية غير صحية؛ لأننا نريد نقدًا يتعمّق الأعمال الروائية، ويُقدم ما تنطوي عليه من جمال متناغم مع المضمون. نحتاج إلى نقد يرتقي بالروائي وبالقارئ معًا،نقد يرى الرواية بأنها فن في المقام الأول، فن يجمع بين جمال الشكل وصدق المضمون؛ هذا ما يجب أن يقوم به النقد الروائي في بلادنا هذه الأيام؛ لكي يغدو عندنا روايات تُغير من فهمنا للحياة، وتعمق إحساسنا بالجمال.

رئيس مجلس الإدارة: محمد داوودية - رئيس التحرير المسؤول: مصطفي الريالات - المدير العام: الدكتور حسين العموش