الصفحات
الكاملة
تيوب
الدستور
رسالة جلالة
الملك للدستور
موقع
زوار الأردن
موقع
جلالة الملكة
موقع
جلالة الملك

نفثات من سيجارة فاسدة

رمزي الغزوي

الأحد 29 تموز / يوليو 2018.
عدد المقالات: 1939

في زمن الهيشي (الدخان البلدي) وقع أحد المدخنين في سوء فهم، حين مدح التاجر تتناته (اسم شعبي للتبغ) قائلاً بأن لا كلام عليهن. ومع أول سيجارة أحس الرجل بالخازوق، فهي تنطفئ بلمح البصر، وتحتاج تولعة بعد كل شفطة. فعاد شاكيا إلى التاجر الذي سأله: هل تتكلم عندما تدخن؟، فهز الرجل رأسه موافقا، فقال التاجر: هنا السر، فقد قلت لك إن لا كلام عليهن. أي دخن وأنت صامت.
 ليت سيجارة الفساد التي هتكت مشاعرنا بقضية الدخان من النوع (الذي لا كلام عليه أو فيه). ليتنا نلنا خازوقنا المبشم بصمت، كي لا نزداد غبناً ومرارة وتوهاناً. سيجارة الفساد التي اشتعلت ليست (مبردة) أو مبلولة، بل نراها تستعر وكأن بركانا يغذي شعلتها من دمنا: تباً تباً. أكان ينقصنا هذا الوجع؟
 لست شامتا بالمدخنين الذين عفطوا وشفطوا كل تلك الرداءة وهم صامتون ببلاهة. ولكني أتساءل بحزن: لماذا لم يهرعوا قائلين، إنكم تبيعوننا عشباً، أو حشائش، أو ورق شجر، أو ما تيسر من رخيص الأشياء؟.
 ربما هذا يدل على أننا نهتم بالقشور. فالمهم أن تكون ماركة الدخان معروفة بعلبتها الأنيقة. والحشوة ليست مهمة. هذه القضية جعلت كل المدخنين مدانين إدانة إضافية في نظري: التفريط بالصحة أولا، والذائقة المعطوبة ثانيا.
نستعير ظاهرة الجبل الجليدي الطافي من الفيزياء؛ لنقول إن ما خفي أعظم. فجبل الجليد لا يطفو منه فوق الماء إلا ربع حجمه. فهل ستكون سيجارة الفساد فتيل إشعال تفجر علبة الخفاء بلا خوف أو وجل، وتعري كل من تدخل وحمى وساند الفاسدين.
 طالب بعض المدخنين إلحاق الرقابة على الدخان بمؤسسة الغذاء والدواء. إسوة بدول أخرى. وهذا الرأي رد عليه البعض قائلين: معكم حق. فثمة سمٌّ جيد، وسم رديء. والموت بالرديء يساوي موتين في واحد.
كنت أتوقع ردة فعل عنيفة يشنها المدخنون، عقب فضيحة فاسد سمومهم. فنسب التدخين لدينا عالية مرعبة. توقعت للوهلة الأولى أن يقاطعوه، أو أن يعودوا إلى الهيشي، حتى لو كان صامتاً. لكن الظاهر أن الجميع متفقون على شيء واحد، وهو شعار المرحلة بكل أطيافها: (دخّنْ عليها تنجلي).
 كنت أعتقد أن لدينا خرمنجية. والخرمنجي هو الخبير الذي يعمل في مصانع التبغ المحترمة ليتذوق السجائر قبل طرحها للأسواق. ولكن في سحابة الدخان الفاسد بدا لي أن لا خرمنجية بين مدخنينا. لدينا (عفيطة) أو (شفيطة) فقط. 
فكيف يشعر من يشتري بثلث راتبه تبغا مغشوشا. كيف تقبل هذا الخازوق العامر. كيف لم يكتشفه منذ بدايته. على كلٍّ: الحق على الطليان. ودخّنْ عليها تنعمي. وسلامتكم

رئيس مجلس الإدارة: محمد داوودية - رئيس التحرير المسؤول: مصطفي الريالات - المدير العام: الدكتور حسين العموش