الصفحات
الكاملة
تيوب
الدستور
رسالة جلالة
الملك للدستور
موقع
زوار الأردن
موقع
جلالة الملكة
موقع
جلالة الملك

نحن أبناء التعب العذب

نزيه القسوس

الخميس 27 تشرين الأول / أكتوبر 2016.
عدد المقالات: 1751
قصيراً يصيرُ النهارُ. النهارُ ليس إلا خطوتين اثنتين، على رأي أبي العجول رحمه الله. والمدرسة القبيحة تبلع منا خطوة أو يزيد. فماذا سيبقى من جحش النهار؟!؛ كي نسابق شمساً طرية تتخاتل بين فروج الغيم، فالموسم زيتون، ونريد أن نلحق أهلنا في الكروم، نعينهم، ونمرح كزرازير الفجر. نرمي كتبنا في حوش البيت، ونطير نلاحق ظلنا الممطوط على لهاث الطريق. ياااااااه كيف يلهث بنا هذا النهار. ألا تمهل أيها الجحش الجميل تمهل.
لتشرين نكهة أخرى. تشرين هذا الفتى المحمم بليفة الندى، المعطر بلثغة سفرجل يتدلى على أمه كرات من ذهب فوّاح. تشرين سيد شهور الأرض. والزيت عمارة بيوتنا ومسامير ركبنا، ودمنا الثاني، ونسغ قناديلنا الساهرة بخشوع لحكايا آبائنا الطيبين في ليالي الشتاء.
تشرين عريسنا التيَّاه، وحبنا المُخضب بعبق الطيون، لما يطرحُ زهره الأصفر الحنون في الدروب، تشرين المجلل بنقيق الضفادع في آخر الوادي، وحنين (القبرات) قُبيل المغيب. تشرين نكهة تطرزت بأثواب جداتنا المتعبات بحب في مواسم الزيتون، فيعدن صبايا في العشرين.
سلام على تشرين ما غنَّى بلبلٌ على شجر الحور المهزوز بموسيقى الريح. سلام عليك يا أرضنا المخضّبة بالحناء، المزنّرة بالتعب العذب. سلامٌ علينا، نجترُّ بقايا أغانينا المحترقة باللهفة والأشواق. سلامٌ على جنون أنفاس تبقينا صغاراً برسم الكهولة، ندرجُ على عتبات الطفولة، فلا نكبر أو نشيخ.
سقى الله أحلاماً تمشي والجدة الحادبة تنفخ في النار، تؤجج إبريق شاي مسخم، وخيوط الدخان تمشط ما بان من ذوائبها، فتزداد شيباً على شيب (فيا طيب شيب الجدات). سقى الله أيام كنا ندفن بعض الزيتون بعيداً عن عين الجد الصيادة، لنبيعه بعد حين للتاجر الغشّاش، الذي نصب خربوشاً (خيمة صغيرة) قرب النبعة. التاجر الذي دأب أن يرجِّحُ كفة ميزانه، وينهرنا بشتائم تحت حزامية، إذا ما هششنا نحلة عن (صدر) الهريسة؛ خوف أن تعلق بعض الحلاوة بأطراف أصابعنا، التي نمصها بنشوة نشوى. ومع هذا، سلام ورحمة عليه .
سلام على جدي يقطر عرقاً تحت كوفيةٍ نسيتْ لونها. سلام عليه ينفض عناءه الكبير، بسيجارة هيشي (الدخان البلدي) تعدل مزاجه، فيرندح موالاً مسلوقاً بعشق عتيث، ويأمرنا غناء أن نتعجل :(الشمس غابت يا بن شعلان وأريد أدور معازيب)، فنهزج بعده بالأغنية ونحن مزروعون في الشجرة ونشدِّ أيادينا، فنضربُ غصناً بعيداً بالرطيبة (عصا طويلة)، فينفجر الختيار صراخاً، كأنَّنا نقرنا جبهته المجعدة، فيرمي سيجارته ويطلق مدفع شتائمه الرشاش. وبعد أن يبرد يهمس بدموع: الزيتونة صبية العشرين، صبية الدلال، فلا تضربوا الصبايا يا زعران.
رئيس مجلس الإدارة: محمد داوودية - رئيس التحرير المسؤول: مصطفي الريالات - المدير العام: الدكتور حسين العموش