الصفحات
الكاملة
تيوب
الدستور
رسالة جلالة
الملك للدستور
موقع
زوار الأردن
موقع
جلالة الملكة
موقع
جلالة الملك

عندما يتكلم الدينار

د.حسان ابوعرقوب

الخميس 2 آب / أغسطس 2018.
عدد المقالات: 267

نظر (زهير) إلى دينار يتيم في يده، وصار يتأمله ويقلبه، حتى أخذته سنة من النوم، ورأى في منامه أنه لا يزال يقلب الدينار، فاتصلت اليقظة بالمنام، وفجأة تكلم (الوجه الأول) للدينار فقال:  أنا من يلهث أبناء الدنيا ورائي فيضيّعون آخرتهم من أجلي، أنا من  يتحاشاني أهل التقوى والزهد. أنا من يولّد بين الناس العداوة والبغضاء، وبسببي يحسد الجار جاره، ويترك الزوج أهله وداره. أنا فتنة حيث سرت ومشيت. أنا من يجعلك غافلا عن الله، لاهيا في الدنيا، بعيدا عن الآخرة. أنا زينة ملهية للعباد، أنا من طلقني الزهاد، أنا من يميل بالإنسان عن طريق الحق والصواب، وبسببي مال ميزان العدل بين الناس. أنا من يعبدني فريق من الناس من دون الله القهار، ألم يقل نبينا المختار: (تَعِسَ عبدُ الدرهم، تَعِسَ عبدُ الدينار).
محبتي أصل كل الشرور؛ لأجلي ترتكب الفواحش والخطايا، فأنا طريق المعصية، تشقى في جمعي لدنياك، ولا أقدر على البقاء معك، بموتك يتقاسمني زوجك وأولادك. من أجلي تتعب، وأنا أريح غيرك. تعمل من أجلي كثيرا، وأنتقل إلى غيرك سريعا، فأنا قليل الوفاء، لا أعرف الأصدقاء. إذا دخلت قلبك استوليت عليه وجعلته عبدا لي، لا يرى في الكون غيري، ألهيتك عن زوجك وأولادك، وجعلتك تتعشّقني أكثر من ذاتك. جلبت لك الحسد والحقد من الناس، فأنا سبب طمعهم فيك، واعتدائهم عليك. يدخل اللصوص دارك بحثا عني، وربما قتلوك لأجلي، فأنا سبب هلاكك وفنائك.
ثم قلب (زهير) الدينار على (وجهه الثاني) ليسمعه يقول: أنا من منحك القوة والنفوذ والسيطرة. من أجلي يحترمك الناس، ولخاطري تنحني لك  الرؤوس، ولرائحتي يتقرب إليك البشر ويمدحونك –زورا- بما ليس فيك، أنا من صنع لك قيمة بين الناس، ولولاي ما ألقى إنسيٌّ عليك التحية أو السلام.
أتنقلُ بين الأيادي والجيوب، ويقبّلني من يحملني، ولا يقرف أو ينفر مني أحد مع كثرة تقلبي بين الناس. حيثما نزلتُ وُجد الغنى والعز والفخر، فإذا حملتُ أمتعي ورحلت، حلّتِ المذلة والفقر.  إن دخلت بأي عمل أنْجِز، لا أعرف عرفا ولا شرعًا ولا قانونا، شريعتي مني وقانوني نافذ على الجميع، لا أعرف كلمة (لا)، فسحري أشدّ قوة مما صنعه سحرة فرعون، فهو يسلب الألباب والأبصار. بي تفتح الأبواب المغلقة، وتشترى السعادة المطلقة، وينام صاحبي قرير العين، مرتاح البال، فأنا الضمير وراحته، وإذا تحدثت صمت الجميع، فأنا القوة المخيفة، أنا الأهل والعشيرة.
لأجلي يتعب الإنسان، فينال شرف قبولي زيارته، وبزيارتي تتمُّ سعادته، فإن فارقت داره حلت الشقاوة به وبأسرته. أنا نصير صاحبي فلا يعرف الهزيمة بنصرتي، أنا من يشتري الذمم، والأفكار، والمواقف، والعقول.  أنا سبب رخاء النبلاء. بي تنتصر الجيوش، ويخرج الأسرى، ومن أجلي تزهق الأرواح. وفي سبيل يُعادي الولد أباه وينسى أمه ويقاطع أخاه. قدرتي لا حدّ لها، والكل يضعف أمامها، يحرص الجميع على إخفائي، كي أبقى ولا أرتحل، لأنني من يعمّر الديار، أجلب الطعام والدواء والكساء، فأنا أقوم بكلّ شيء، ولأجل الحصول عليّ يفعل الناس أيّ شيء، فأنا الاستقرار، والأمن والأمان، أنا الحاضر والمستقبل.
أنا من يمسح ذنوب الأغنياء، ويستر عيوب الأثرياء، وأحقق لهم كل مرغوب. الحق حيث وُجِدت، والعدالة حيث أقف، ولا يُرفض لي قرار، لأنني الدينار. استيقظ (زهير) من منامه، وهو يقلب الدينار بيديه ويقول: سبحان الله العزيز الجبار، يهب الملك لمن يشاء!.

رئيس مجلس الإدارة: محمد داوودية - رئيس التحرير المسؤول: مصطفي الريالات - المدير العام: الدكتور حسين العموش