الصفحات
الكاملة
تيوب
الدستور
رسالة جلالة
الملك للدستور
موقع
زوار الأردن
موقع
جلالة الملكة
موقع
جلالة الملك

عرب فلسطين 1948 بين الصديق الجاهل والعدو القاتل8

تم نشره في السبت 11 آب / أغسطس 2018. 12:00 صباحاً


عبدالله حموده
استمرت السياسة البريطانية في تشجيع الهجرة اليهودية إلى فلسطين التي بدأت تتزايد يوماً بعد يوم بين 1933 و 1935، وبدأت معالم اضطهاد اليهود في ألمانيا تبرز وتصبح مادة للمتاجرة، وبلغت نسبة المهاجرين عشرة أضعاف ما كانت عليه بين 1930 و 1933. فعقد ممثلو عرب فلسطين في 26/3/1933 اجتماعاً قومياً في يافا حضره حوالي (500) من رجالات الحركة الوطنية والسياسيين التقليديين. وقرر المؤتمرون التمسك بالمطالب القومية وحماية فلسطين من الغزو اليهودي وتأليف لجنة لمتابعة القضية مع السلطات المسؤولة. ولما عجزت اللجنة عن تحقيق هذه المطالب أعلنت إضراباً عاماً في منتصف تشرين أول لعام 1933 تبعه عصيان مسلح في عدة مدن عربية. وبلغ مجموع ضحايا الحوادث (270) قتيلا وجريحا من العرب واليهود والإنجليز.
أدرك العرب أن الزمن يعمل لمصلحة الأعداء، فهم يزدادون عدداً ويزداد نفوذهم في كل يوم، فألفوا لجنة عربية في منتصف نيسان عام 1936 أعلنت الإضراب العام حتى تحقيق مطالب البلاد وهي وقف الهجرة ومنع بيع الأراضي وتأسيس حكومة وطنية مسؤولة أمام مجلس تمثيلي ينتخب الشعب مباشرة حسب النظم الديمقراطية، وشمل الإضراب عرب فلسطين كلهم وامتنع الناس عن دفع الضرائب وعن خدمة الحكومة، وحمل السلاح (15.000) مواطن فلسطين. ومرت هذه الثورة في عدة مراحل ولكنها كانت تشل العمل في كل فلسطين، وكانت الثورة حركة وطنية حقيقية بالرغم من بعض الأخطاء ولجأت السلطات البريطانية إلى الدول العربية لإيقاف الثورة التي خسّرتهم الكثير في الأموال والأرواح ما لم تكبدهم أي ثورة عربية أخرى، وأيقظت أحاسيس كثيرة ولّدت تضامنا عربيا في كثير من مدن العراق والأردن وسوريا ولبنان ومصر، وطالبوا بإنقاذ فلسطين، ورفض قادة الحركة الوطنية إيقاف الثورة إلا إذا توقفت الهجرة اليهودية أولاً، وكان حكام العرب الموالين للإنجليز يريدون إنهاء الثورة، فجاء نوري السعيد وكان وزيراً لخارجية العراق في شهر آب 1936 وادعى أن شروطهم لدعم الثورة لم تعد مستحيلة إذ إن حكومة بريطانيا ستوقف الهجرة ساعة يوقف العرب عصيانهم، رحب العرب بهذا العرض وأخذوا يستعدون لإعادة الحياة الطبيعية، لكن وزير المستعمرات البريطاني أصدر تصريحاً كذّب كلام السعيد فعاد العرب إلى تصلبهم. بينت الأحداث أن العرب لن يتراجعوا عن مطالبهم حيث بلغت حصيلة الثورة حوالي (1.700) قتيل وجريح. وبالفعل شكلت الحكومة البريطانية لجنة برئاسة «اللورد بيل» في السابع من آب 1936 وفكّر العرب أنه لا وقف للثورة دون وقف للهجرة اليهودية، وقام ابن سعود في أيلول 1936 بإرسال نداء إلى عرب فلسطين في 10/10/1936 وقع عليه معه إمام اليمن وملك العراق وأمير شرق الأردن، وناشد النداء عرب فلسطين أن يعطوا الحكومة البريطانية فرصة جديدة لكي تنظر في المسألة فلبى العرب النداء، وانتهت الثورة مؤقتاً بعد صراع دموي مدته نصف سنة. صرفت لجنة بيل 3 أشهر في فلسطين، فقضت شهرين ونصف الشهر في سماع وجهة نظر الصهانة وعشرة أيام لسماع وجهة النظر العربية. وفي 7/7/1937 نشرت تقريرها في (400) صفحة، وحقق التقرير مخاوف العرب وتحفظاتهم؛ ذلك أن اللجنة اقترحت تبني فكرة التقسيم التي سبق أن رفضها العرب وقبلها حكام العرب الموالون لإنجلترا، وقدمت اللجنة بتقريرها دراسة عن سوء نظام الكانتونات وصعوبة تحقيقه ومشاكله الإدارية والدفاعية والمالية والدستورية. ولفتت الأنظار أن ذلك النظام لا يحقق رغبة الشعب العربي أن يحكم نفسه بنفسه، فقررت اللجنة تقسيم فلسطين 3 أقسام: قسم يهودي من ألفي ميل مربع، يشمل سهل مرج ابن عامر ومعظم الجليل وجيباً إلى الجنوب من طريق القدس يافا يضم معسكرات اليهود بين الرملة وغزة، وتقوم في هذا القسم دولة يهودية مستقلة تدخل عصبة الأمم. وقسم يبقى تحت الانتداب البريطاني ليشمل جنوب فلسطين والقدس وبيت لحم وحوض بحيرة طبريا والناصرة وصفد وعكا مثلما يشمل ممراً ضيقاً بين القدس ويافا من ضمنه مطار اللد. ويراد من هذا القسم أن يحفظ لبريطانيا إمكان حفر قناة تنافس قناة السويس في يوم من الأيام. وتكون اللغة الرسمية لهذا القسم الإنجليزية ويعتبر السكان رعايا بريطانيين. أما القسم العربي الثالث يُلحق بإمارة شرق الأردن وهو القسم الأصغر والأفقر، وهو يشمل ألوية السامرة واليهودية والنقب، ويظل تحت الانتداب البريطاني بحكم ضمه للأردن، وتعيش الدولة العربية هذه على إحسانات من بريطانيا ومن الدولة الصهيونية إذ تدفع حكومة كل من البلدين مساعدة سنوية إلى الأردن. واقترح تقرير لجنة بيل أن يتبادل العرب واليهود مساكنهم في الدولتين ويبلغ العرب في القسم اليهودي (295) ألفاً بينما كان عدد اليهود في ذلك القسم (305) آلاف فقط، أي أن العرب 49% من سكان المنطقة التي أريد تهويدها. وكان على كل هؤلاء أن يرحلوا عن بيوتهم. بينما لم يكن يبلغ عدد اليهود الذين يقيمون في المنطقة العربية ويجب أن يرحلوا عنها إلا (7.000) يهودي! ثم إن مساحة الأرض التي طُلب من سكان العرب في المنطقة اليهودية أن يتركوها لليهود كانت أربعة أخماس المنطقة اليهودية (4 ملايين من خمسة ملايين دونم).
وهذا التقرير جعل الصراع على فلسطين بين حقين متساويين وأعطى اليهود صفة خاصة في بلاد لا تمت لهم بصلة. وساواهم مع العرب في مطالبتهم في فلسطين، واعتبر العرب بالطبيعة ضد العمران والتقدم. وتركهم تحت رحمة رأس المال اليهودي. ورفض أن يعترف بحق العرب في المطالبة بإيقاف الهجرة اليهودية التي كانت تثير مخاوفهم. حتى المواد القليلة جداً التي جاء بها التقرير ولم تكن تنسجم مع مصلحة الصهيونيين خففت الحكومة البريطانية من حدتها وعدلتها لمصلحة الصهيونيين. ولنأخذ قضية ميناء تل أبيب مثالاً على ذلك: جاء قرار اللجنة أن توسيع هذا الميناء لابد أن يهدد حركة ميناء حيفا، لذلك فاللجنة لا تشجع المضي بالعمل فيه، فغضب الصهيونيون واحتجوا حتى أعلن وزير المستعمرات أن الحكومة لن تتقيد برأي اللجنة أبداً.
كانت الحركة الوطنية العربية أول من أعلن رأيه في التقرير، رفضته ساعة صدوره. وهبّ الشعب للنضال الدموي.
[email protected]

رئيس مجلس الإدارة: محمد داوودية - رئيس التحرير المسؤول: مصطفي الريالات - المدير العام: الدكتور حسين العموش