الصفحات
الكاملة
تيوب
الدستور
رسالة جلالة
الملك للدستور
موقع
زوار الأردن
موقع
جلالة الملكة
موقع
جلالة الملك

الجامعات الأردنية.. اجتهادات بقصد التطوير

تم نشره في الأربعاء 15 آب / أغسطس 2018. 12:17 صباحاً

ورقة للدكتور سعيد التل لتطوير الجامعات الأردنية
عمان -
أعد الدكتور سعيد التل، نائب رئيس الوزراء وزير التربية والتعليم الاسبق، ورقة تحت عنوان «اجتهادات بقصد التطوير» أهداها الى أعضاء هيئات التدريس في الجامعات الأردنية.
ومهد التل لورقته، بان الجامعة تلعب في عالمنا المعاصر دورا مهما وخطيرا في تطور الدول ومجتمعاتها، وفي تقدّمها ورفاهها ومنعتها، وذلك من خلال الرسالة التي تؤديها، والوظائف التي تقوم  بها، والأهداف التي تسعى إلى تحقيقها، مشيرا الى ان كفاية الجامعات الأردنية في أداء رسالتها والقيام بوظائفها وتحقيق أهدافها جيد، لكن الطموح في تطوير هذا الدور، يظل مستمرا، ويجب أن يظلّ مستمرا، وهذا منهج تلتزم به جميع الجامعات المرموقة في العالم.
واكد ان متطلبات العصر تفرض الاهتمام بالبحث العلمي، كما يفرض هذا الاهتمام حاجة الدولة الأردنية إلى جهة متخصصة في البحث العلمي لتطوير مؤسساتها ومرافقها والتصدي لمشاكلها وقضاياها الاقتصادية والاجتماعية والسياسية وغيرها، بما يجعل التوجه نحو تخصيص بعض الجامعات الأردنية لتكون جامعات بحث، دون الإخلال بالوظيفتين الأخرتين لها، توجها مطلوبا، لا بل يمكن القول إن هذا التوجه أصبح توجها ضروريا.
وقال ان واقعا جديدا في إعداد المهنيين بدأ يأخذ مكانه في جامعات بعض دول العالم، بحيث يتم إعداد المهنيين في هذا الواقع الجديد على مستوى الدرجة الجامعية الثانية، القائمة على الدرجة الجامعية الأولى في الآداب والعلوم، مشيرا الى عدة أمور ساهمت في ذلك منها ان المعرفة الإنسانية في عالمنا المعاصر، تتطوّر بتسارع كبير جدا، وان كفاية استخدام المهني لمعرفته المهنية تتعمّق إذا ما دُعِّمت بمعرفة أكاديمية ترتبط بطريقة مباشرة أو غير مباشرة بها. وان الطالب بعد حصوله على الدرجة الجامعية الأولى يكون أكثر نضجا ووعيا، ومعرفة في قدراته واستعداداته واتجاهاته في اختيار المجال المهني الذي يرغب في دراسته، وبالتالي أكثر كفاية ومهارة في أداء مهنته بكفاية واقتدار بعد تخرجه.
من هذا المنطلق تطرح هذه الورقة بعض الاجتهادات التي تتعلق بتطوير الجامعات الأردنية العامة والخاصة، فعسى أن تساهم في ذلك. وتاليا نص الورقة:
لعل خير ما أستهل به هذه الورقة المكتوبة، الشعار الذي وضعته لجامعة عمان العربية، ليكون أساسا لفلسفتها في أداء رسالة الجامعة بأمانة والقيام بوظائفها بكفاية وتحقيق أهدافها بفعالية. ومن هذا المنطلق أتمنى أن يكون لكل جامعة أردنية شعار مكتوب تتميز به ويكون أساسا لفلسفتها، يقول هذا الشعار بعد البسملة:
«باسمك اللهم، وبعونك أسست جامعة عمان العربية، اللهم بارك هذه الجامعة ووفقها لتكون مرجعا للإيمان الصادق، ومنبتا للعلم النافع، ومثالا للخلق القويم، اللهم سدد خطا هذه الجامعة لأداء رسالتها بأمانة، والقيام بوظائفها بكفاية وتحقيق أهدافها بإخلاص، من لدنك اللهم تستلهم الجامعة الرشاد، وبرضاك نرجو التوفيق، وبنعمتك تخدم الوطن والأمة والناس أجمعين.»
1 - تمهيد
تلعب الجامعة في عالمنا المعاصر دورا مهما وخطيرا في تطور الدول ومجتمعاتها، وفي تقدّمها ورفاهها ومنعتها، وذلك من خلال الرسالة التي تؤديها، والوظائف التي تقوم  بها، والأهداف التي تسعى إلى تحقيقها. من جهة أخرى، إن كفاية الجامعات الأردنية في أداء رسالتها والقيام بوظائفها وتحقيق أهدافها جيد ولا غبار عليه، لكن الطموح في تطوير هذا الدور، يظل مستمرا، ويجب أن يظلّ مستمرا، وهذا منهج تلتزم به جميع الجامعات المرموقة في العالم. من هذا المنطلق تطرح هذه الورقة بعض الاجتهادات التي تتعلق بتطوير الجامعات الأردنية العامة والخاصة، فعسى أن تساهم في ذلك.
من المعروف أنّ بداية تأسيس الجامعات في العالم تعود إلى العقود الأخيرة من الألفية الأولى الميلادية، وتتنافس على لقب (الجامعة الأولى) في العالم، ثلاث جامعات هي جامعة ساليرنو، وجامعة نابولي، وجامعة باريس. وعلى نمط هذه الجامعات الأولى، تأسست وانتشرت بعد ذلك الجامعات في أنحاء أوروبا، ثم في جميع أنحاء العالم.
يعتقد البعض أن الجامع الأزهر الشريف قد سبق في تأسيسه الجامعات الأولى في العالم، إن هذا الاعتقاد غير دقيق، ذلك أن الجامع الأزهر الشريف كان في بداية تأسيسه مركزا للدعوة الفاطمية، ثم في وقت لاحق أصبح مؤسسة متميزة للتعليم العالي، تختص بالعلوم الدينية الإسلامية، وما يرتبط بهذه العلوم من علوم أخرى. إن تأسيس جامعة الأزهر بجانب جامع الأزهر الشريف في الخمسينيات من القرن الماضي تأكيد على ذلك.
لعل أول جامعة أسست في الوطن العربي كانت الجامعة الأمريكية في بيروت، وذلك في سنة 1866. وقد أسست هذه الجامعة جمعية تبشيرية في نيويورك في الولايات المتحدة الأمريكية، تعرف باسم الجمعية السورية البروتستانتية حيث كانت كلمة السورية تتفق آنذاك مع الواقع القائم، وقبل أن تُمزّق، تشمل سورية والأردن، وفلسطين ولبنان. وقد أطلقت هذه الجمعية على هذه الجامعة عند تأسيسها اسم الكلية السورية البروتستانتية، وفي وقت لاحق أصبحت تعرف باسم الجامعة الأمريكية في بيروت. هذا ولا أحد ينكر أن هذه الجامعة قد لعبت، وما تزال تلعب، دورا متميزا في التعليم الجامعي الجيد، وفي البحث العلمي. كما لعبت وما تزال تلعب دورا مهما في مجال الفكر بأبعاده المختلفة، وفي بلاد المشرق العربي خاصة.
إن الجامعة المصرية، والتي أسست سنة 1908 هي أول جامعة عربية تؤسس في الوطن العربي. وكانت هذه الجامعة، جامعة خاصة غير ربحية عندما تأسست، ثم أصبحت جامعة عامة تعرف باسم جامعة الملك فؤاد، تشرف عليها وزارة المعارف آنذاك، وبعد قيام الثورة المصرية سنة 1952، أصبحت تعرف باسم جامعة القاهرة. وبعد هذه البداية توالى تأسيس الجامعات في أقطار الوطن العربي، وأصبح عددها في الوقت الحاضر أكثر من ثلاثمائة وخمسين جامعة.
كانت الجامعة الأردنية، والتي تأسست سنة 1962، أول جامعة تؤسس في الدولة الأردنية، وفي وقت لاحق توالى تأسيس الجامعات العامة ثم الجامعات الخاصة، وأصبح عددها في الوقت الحاضر أكثر من عشرين جامعة.
لقد مضى على تأسيس أول جامعة عربية قرن وعقد من الزمن، وبألم وحسرة أقول، وحسب معرفتي المتواضعة: إنه لم يتم في أي جامعة عربية، خلال هذه المدة وحتى الآن، إنجازا علميا كبيرا متميزا له قيمة عالمية، والله أعلم. بالطبع إن هذا لا يعني، ولا بأي صورة من الصور، أن الأمة العربية تفتقر إلى العقول الذكية المبدعة الخلاقة، القادرة على البحث والاختراع والاكتشاف. إن العكس هو الصحيح، فالأمة العربية، وكل أمم العالم، فيها عقول ذكية مبدعة خلاقة قادرة على البحث والاختراع والاكتشاف. هذا ما توصلت إليه دراسات علمية تؤكد أن القدرات والاستعدادات العقلية تتوزع على بني البشر بالتساوي والعدل، والفرق الوحيد بين الأمم في هذا المجال، أن بعضها يوفر التربة الخصبة والمناخ السليم والدعم المادي والمعنوي وخاصة في جامعاتها لأصحاب هذه العقول، وبعضها لا يوفّر ذلك.
إن أغلب جامعاتنا العربية، وأغلب الجامعات الأردنية لا يوفّر وبالدرجة الكافية المطلوبة التربة الخصبة ولا المناخ السليم، ولا يقدم الدعم المادي المطلوب لأصحاب العقول المبدعة الخلاقة القادرة على البحث والاختراع والاكتشاف، وبالتالي فإن نسبة منهم تهمل وبعضهم، والذين يتاح لهم الالتحاق بجامعات مرموقة في البحث والاختراع والاكتشاف، أن تلمع في هذا المجال على مستوى العالم وهناك أمثلة كثيرة على ذلك.
من جهة أخرى، بدأت تتطوّر في بعض الجامعات العربية، وللأسف الشديد، ظواهر بشعة لا تليق بمكانة هذه الجامعات، لا بل تكاد تُفقدِها قيمتها وسمعتها كجامعات، وأخشى ما أخشاه أن تنتقل هذه الظواهر البشعة إلى جامعات عربية أخرى. من هذه الظواهر على سبيل المثال: شاهدت بأم عيني منظرا مؤلما محزنا، وبنفس الوقت بشعا، في فيلم وثائقي عربي لبائع يدفع بعربة خضار أمام إحدى الجامعات العربية، ويوجد على هذه العربة وبدلا من الخضار كالبصل والفاصوليا والكوسا، ملازم لكتب موضوعة من قبل أساتذة هذه الجامعة، مقررة لمواد يُدرّسونها. وبدلا من أن ينادي البائع على البصل والفاصوليا والكوسا، ينادي على ملازم كتب ويقول: «سنة ثانية حقوق، سنة ثالثة إدارة أعمال، سنة رابعة محاسبة» وفي ذات السياق قال لي صديق، وهو استاذ في إحدى الجامعات الأردنية، أن على مقربة من إحدى الجامعات العربية، توجد دكاكين متخصصة لوضع البحوث ورسائل الماجستير وأطروحات الدكتوراه، وذلك مقابل أجر يتناسب مع مستوى البحث وموضوعه، وأضاف هذا الصديق قائلا: «إن هذه الدكاكين لا يقصدها كثير من الطلبة، بل يقصدها أيضا بعض أعضاء هيئات التدريس في بعض الجامعات العربية لوضع بحوث لهم من أجل الترقية» والله أعلم.
2 -    واقع الجامعات الأردنية
بداية لا بد من التذكير والتأكيد، أن الجامعة في عالمنا المعاصر، وخاصة في الدول المتقدمة، من أهم مؤسسات الدولة والمجتمع إن لم يكن أهمها من حيث الرسالة التي تؤديها، والوظائف التي تقوم بها، والأهداف التي تعمل على تحقيقها. فالجامعة في عالمنا المعاصر تُعدّ قيادات الدولة والمجتمع الإدارية والمهنية والفنية المؤهلة للقيام بوظائفها بكفاية واقتدار ومسؤولية أخلاقية. والجامعة في عالمنا المعاصر، ومن خلال البحوث والدراسات التي تقوم بها لا تتصدى لقضايا الدولة والمجتمع فقط، بل تعمل على تطوير المعرفة الجديدة المتقدمة والتي تترجم إلى ما يخدم الإنسان في جميع المجالات. إن كل ما ينعم به الإنسان المعاصر وما يستخدم من وسائل، كان للجامعة فيها مساهمة كبيرة جدا. وعلاوة على كل ذلك فالجامعة وبالكفايات العلمية المتميزة، وفي جميع التخصصات التي تعمل بها توفّر للدولة ومجتمعها القيادات الفكرية المتميزة، والتي تساعدها في التصدي لمشاكلهما، وتقديم الرأي الحصيف لهما، ضمن الظروف القائمة والإمكانات المتاحة لها. بالنسبة للجامعات الأردنية، يمكن القول وبصورة عامة، إنها تؤدي رسالة الجامعة بأمانة، وتقوم بوظائفها بكفاية وتحقق أهدافها بإخلاص. لكن كل هذا لا يعني بأي شكل من الأشكال الاكتفاء بالواقع والركون إليه. إن التطور المستمر صفة لازمة للجامعة أي جامعة. من هذا المنطلق تطرح هذه الورقة اجتهادات تتعلق بتطوير الجامعات الأردنية، ونصب أعينها الجامعات المرموقة في العالم، والتي نسعى أن تكون جامعاتنا مناظرة لها شكلا وموضوعا.
3 -    الجامعات الأردنية وهيئاتها التدريسية
بداية يجب التذكير، أن نشأة الجامعات الأولى في العالم كانت من خلال جماعة من العلماء والمفكرين، يلتف حولها مجموعة من طالبي العلم والمعرفة. بعبارة أخرى إن الجامعة أولا وقبل كل شيء هي جامعة (من جمع يجمع) لهيئتها التدريسية. ولعل من أهم، ما لم تكن الأهم، ما يميز أي جامعة عن الجامعات الأخرى في العالم هو هيئتها التدريسية. وتتبارى الجامعات المرموقة  في العالم في استقطاب الأساتذة المتميزين جدا في تخصصاتهم.إن واقع هيئات التدريس في الجامعات الأردنية وبصورة عامة ، والحمد لله، جيد جدا. بالطبع هذا لا يعني أنه لا يشوب هذا الواقع بعض الضعف، لكن بعض هذا الضعف محدود جدا ويمكن تصويبه. بصورة عامة يمكن تحديد هذا الضعف بالنقاط التالية:
1 -    إن بعض أعضاء  هيئة التدريس في الجامعات الأردنية، وهذا البعض قليل ومحدود جدا، لا يتعمقون في مجال تخصصهم، ولا يتابعون ما يستجد في هذا المجال، هذا مع العلم أننا نعيش في عصر تتفجر فيه المعرفة الإنسانية في جميع مجالات الحياة، وبتسارع كبير جدا.
2 -    إن بعض أعضاء هيئة التدريس في الجامعات الأردنية الذين يترقون إلى رتبة الأستاذية، وهذا بعض قليل جدا أيضا، يتصورون أنهم قد (ختموا العلم). إن من يتصوّر أنه قد ختم العلم  (يصدأ) مع الزمن، ويصبح غير مؤهل للاستمرار في العمل في الجامعة. إن هؤلاء أيضا متناسين ما قاله الإمام الشافعي - رضي الله عنه- «ما يزال العالم عالما ما طلب العلم فإذا ظن أنه علم فقد جهل».
3 -    إن بعض أعضاء هيئة التدريس في الجامعات الأردنية، وهذا بعض قليل جدا أيضا، لا يستعدون ولا يحضرون للمحاضرات التي سوف يدرسونها. هذه الحقيقة يلاحظها في أحيان كثيرة جدا الطلبة ويتندرون عليها. لقد شاهدت بأم عيني عضو هيئة تدريس يدخل قاعة التدريس برجليه، ولا يحمل بيديه أي شيء، أي أنه لم يحضّر أي شيء ليقوم بتدريسه.
4 -    إن بعض أعضاء هيئة التدريس في الجامعات الأردنية، وهذا بعض قليل جدا، يبخلون على طلبتهم، ولا يقدمون لهم النصح والإرشاد والتوجيه، هذا مع العلم أن النصح والإرشاد والتوجيه في الجامعة، لا يقل أهمية وضرورة عن التعليم فيها، إذ يساهم مساهمة كبيرة في بناء شخصية الطالب عقليا واجتماعيا ومعرفيا.
5 -    إن بعض أعضاء هيئة التدريس في الجامعات الأردنية، وهذا البعض قليل جدا، يفتقرون إلى طرائق التدريس الجامعية الحديثة، كما أنهم يفتقرون إلى أساليب التقويم الجامعية الحديثة، إن هؤلاء لا يعرفون أن المحاضرة ،وباستثناءات قليلة جدا قد ماتت، كطريقة للتدريس في الجامعة. كما أن الامتحانات الجامعية التحصيلية بأشكالها المختلفة قد أصبحت إحدى أدوات التقويم الجامعية.
6 -    إن بعض أعضاء هيئات التدريس في الجامعات الأردنية، وهذا البعض قليل جدا، لا يعطون للإشراف على رسائل الماجستير أو أطروحات الدكتوراه، ما تتطلبه من جهد أو وقت، وهذا ينعكس بصورة كبيرة على هذه الرسائل والأطروحات، وتفقدها قيمتها العلمية. لا وقد لا تصبح في قيمتها مساوية لقيمة الورق الذي كتبت عليه. هذا ويجب أن يتذكر الأستاذ المشرف أن عملية الإشراف هي عبارة عن عملية تمرين عقلي يخضع لها الطالب لتساهم بدرجة كبيرة في تطوير قدراته ومهاراته في التفكير والبحث والإبداع.
7 -    إن بعض أعضاء هيئة التدريس في الجامعات الأردنية، وهذا البعض قليل جدا، لا يلتزمون بساعات الدوام الرسمي المقررة في الجامعة والذي يمتد عادة في جامعات العالم المرموقة من الساعة الثامنة وحتى الرابعة عصرا. وإن بعض بعضهم ياتي إلى الجامعة، وإلى قاعة التدريس مباشرة ويغادر الجامعة بعد ذلك، وفي أغلب الأحيان لا (يتفقّد) مكتبه فيها. إن عضو هيئة التدريس هذا ليس عضو هيئة تدريس جامعي متفرّغ.
8 -    إن نسبة كبيرة جدا من أعضاء هيئة التدريس في الجامعات الأردنية لا يحترمون لغتهم العربية، ويدرّسون بلهجة عامية بدلا من أن يدرسوا بلغة عربية سليمة. إن حماية اللغة العربية، واحترامها واستخدامها في جميع مناحي الحياة واجب على كل عربي، وخاصة أعضاء هيئات التدريس في الجامعات العربية؛ ذلك أن لغتنا العربية هي قاعدة ثقافتنا العربية وبالتالي فهي قاعدة وحدتنا القومية.
4 -    طلبة الجامعات الأردنية عامة
إذا كان إنشاء الجامعات الأولى في العالم قد تم من خلال جماعة من العلماء والمفكرين، فقد أنشئت هذه الجامعات من أجل الطلبة. من جهة أخرى، وكما هو معروف، أن الطلبة الذين يستفيدون الفائدة الأوفر من الدراسة في الجامعة هم الطلبة الذين يتمتعون بقدرات وقابليات واستعدادات متقدمة وبالتالي مؤهلة للاستفادة من الدراسة في الجامعة.
بالنسبة لقبول الطلبة في الجامعات الأردنية العامة، يمكن القول وبصورة عامة أن قبولهم يتم وفق قواعد معينة، وبصورة رئيسية على أساس المعدل الذي يحصل عليه هؤلاء الطلبة في امتحان شهادة الثانوية العامة (التوجيهي)، وذلك من منطلق أن هذا المعدل يدلّ على قدرات وقابليات واستعدادات الطلبة. إن هذا الأساس جيد، لكنه غير كافٍ ولا يوفّر في كثير من الأحيان العدالة والمساواة بين الطلبة. من هذا المنطلق لذلك لا بد من تطوير هذا الأساس وذلك حسب التطورات التربوية والنفسية المعاصرة.
من المعروف علميا، أن القدرات والقابليات والاستعدادات العقلية تتوزع بصورة عامة بين المجموعات البشرية في جميع أنحاء العالم  بالعدل، فليس هناك مجموعة بشرية يمكن أن توصف بأنها متقدمة في هذه القدرات والقابليات والاستعدادات، كما أنه ليس هناك مجموعة متخلفة فيها. وعلى مستوى الدولة الواحدة، تتوزع القدرات والقابليات والاستعدادات على مجموعات المواطنين في مناطقها بالعدل. فعلى سبيل المثال وعلى مستوى الدولة الأردنية، لو تم اختيار مجموعات من مختلف مناطقها بحيث تتشكل كل مجموعة منها من مئة طالب من طلبة الصف السادس الايتدائي، ولو  أُجري اختبار لطلبة هذه المجموعات من حيث القدرات والقابليات والاستعدادات، فسوف يلاحظ أن التمثيل البياني لتوزّع القدرات والقابليات والاستعدادات لهذه المجموعات متقاربا ويكاد يكون متطابقا. بالمقابل، لو أُجري اختبار في التحصيل الدراسي لهذه المجموعات لوُجِد أن تمثيلها البياني متباين، وأحيانا بدرجة كبيرة جدا. إن هذا التباين يعود إلى الظروف الدراسية التي يتعلم بها هؤلاء الطلبة، وإلى الظروف الثقافية والاقتصادية والاجتماعية التي يعيش هؤلاء الطلبة في كنفها.
إن بعض الطلبة الأردنيين يتلقون التعليم في مدارس تناظر أرقى المدارس في العالم، وبعضهم يتلقى التعليم في مدارس لا تناظر سوءا أسوأ المدارس في العالم. وإنّ بعضهم يعيش في ظروف ثقافية واقتصادية واجتماعية غنية وغنية جدا أحيانا، وبعضهم يعيش في ظروف ثقافية واقتصادية واجتماعية فقيرة جدا.
ولكي تؤدي الجامعات الأردنية رسالتها بأمانة، وتقوم بوظائفها بكفاية، وتحقق أهدافها بإخلاص، فلا بد من اختيار أفضل الطلبة الأردنيين قدرة واستعدادا وقابلية لها. من جهة أخرى ولتجاوز الظروف التعليمية والثقافية والاجتماعية والاقتصادية المتباينة التي يعيش في كنفها هؤلاء الطلبة، فلا بد من قواعد جديدة للقبول في الجامعات الأردنية العامة. وهنا يمكن القول إنّ قواعد القبول التي تقوم على أساس أن المدررسة الثانوية تشكل وحدة القبول لهذه الجامعات هو الحل. وهذا الحل يمكن توضيحه على النحو الآتي:
إذا ما تقرر قبول نصف الطلبة الناجحين في امتحان شهادة الدراسة الثانوية العامة، في الجامعات الأردنية العامة، فيقبل على أساس هذه القاعدة النصف الأعلى معدلا من كل مدرسة ثانوية في الدولة الأردنية. فعلى سبيل المثال، إذا ما نجح في مدرسة ثانوية ما عشرون طالبا، فيقبل في الجامعات الأردنية العامة العشرة الأعلى معدلا من هذه المدرسة. وإذا ما نجح من مدرسة ثانوية أخرى مئة فيقبل في الجامعات الأردنية العامة الخمسون الأعلى معدلا من هذه المدرسة.
إن الطلبة الذين يقبلون في الجامعات الأردنية العامة وفق هذه القاعدة هم وبصورة عامة أكثر الطلبة الذين يجتازون امتحان شهادة الدراسة الثانوية العامة، قدرة وقابلية واستعدادا. وعلاوة على ذلك يمكن القول إن قاعدة القبول هذه قاعدة ديموقراطية، تحقق العدالة والمساواة بين أبناء جميع مواطني الدولة الأردنية في فرص الالتحاق بالجامعات الأردنية العامة.
من جهة أخرى، إن التباين بين معدلات الطلبة في امتحان الثانوية العامة والمقبولون وفق قاعدة القبول هذه سوف يتم تجاوزه من خلال برامج تعويضية توفرها الجامعة. وعلاوة على ذلك يجب أن يعطى الطلبة الذين يحتاجون مساعدة منحا توفر لهم حياة كريمة خلال دراستهم الجامعية.
5 -    الجامعات الأردنية وجامعة البلقاء التطبيقية
قد يكون من المناسب قبل طرح موضوع جامعة البلقاء التطبيقية، التعرف على هرم القوى العاملة، وعلاقته بالهرم التعيلمي، ذلك أن الهدف الرئيسي من تأسيس جامعة البلقاء التطبيقية كان لتصويب بعض الخلل بين هذين الهرمين الآنفي الذكر.
يتشكل هرم القوى العاملة، وكما هو معروف، من ست شرائح وهي على الترتيب التالي: تشكل الشريحة الأولى ،وهي قاعدة الهرم، شريحة العمال، وهذه الشريحة تتوزع بدرورها على ثلاث شرائح فرعية، هي: شريحة العمال، وشريحة العمال شبه المهرة وشريحة العمال المهرة. وتتشكل الشريحة الثانية من الحرفيين، والشريحة الثالثة من الفنيين والتقنيين، والشريحة الرابعة من المهنيين، والشريحة الخامسة من الاختصاصيين، والشريحة السادسة من الأخصائيين.
بالمقابل، يتشكل هرم النظام التعليمي، وهو كما هو معروف من ست مراحل، تشكل المرحلة الأولى، وهي قاعدة النظام التعلمي، مرحلة التعليم الأساسي، وتشكل المرحلة الثانية مرحلة التعليم الثانوي، وتشكل المرحلة الثالثة مرحلة الدرجة الجامعية المتوسطة، وتشكل المرحلة الرابعة مرحلة الدرجة الجامعية الأولى، وتشكل المرحلة الخامسة مرحلة الدرجة الجامعية الثانية، وتشمل المرحلة السادسة مرحلة الدرجة الجامعية الثالثة. وهنا يجب التذكير والتأكيد أنه لا حدود فاصلة بين مراحل التعليم، كما أنه لا يوجد مرحلة من التعليم مغلقة على ذاتها ولا بأي صورة من الصور. وبناء على ذلك يحق لأي طالب يستوفي الشروط الموضوعة لكل مرحلة من مراحل التعلم أن يلتحق بها.
يتم إعداد شريحة العمال والعمال شبه المهرة من خلال العمل، أما العمال المهرة فيعدون من خلال مراكز حرفية متوسطة. ويتم إعداد شريحة الحرفيين من خلال مدارس ثانوية حرفية، وتُعَدّ شريحة الفنيين والتقنيين وشريحة المهنيين وشريحة الاختصاصيين وشريحة الأخصائيين في الجامعات. ويتم إعداد الفنيين والتقنيين على مستوى الدرجة الجامعية المتوسطة وفي أغلب الأحيان في كليات المجتمع أو ما يناظرها من معاهد. وفي سوق العمل هنالك علاقة عددية بين كل شريحة من شرائح العمل والشريحة التي تسبقها تحدد وفق طبيعة العمل. فعلى سبيل المثال، كل شخص ينتمي إلى شريحة المهنيين يجب أن يقابله شخص واحد على الأقل ينتمي إلى شريحة الفنيين والتقنيين. بعبارة أخرى وعلى سبيل المثال كل مهندس يجب أن يقابله فني أو تقني على الأقل.
بالنسبة للدولة  الأردنية يمكن القول، وبصورة عامة وللأسف الشديد، إنه ليس هنالك أي علاقة بين هرم القوى العاملة وهرم النظام التعليمي. وبسبب غياب هذه العلاقة تبرز مشكلة البطالة الحادة، كما تبرز مشكلة العمالة الوافدة. إن هنالك عشرات الالاف من العاطلين عن العمل من المواطنين الأردنيين، وهنالك عشرات الآلاف من العاملين الوافدين غير الأردنيين.
لقد تطورت فكرة جامعة البلقاء التطبيقية لتصويب أحد  جوانب الخلل بين هرم النظام التعليمي وهرم القوى العاملة. هذا وقد تكون فكرتها هذه فكرة رائدة وفريدة في العالم في مجال التعليم الجامعي المتوسط لإعداد الفنيين والتقنيين. تقوم هذه الفكرة على أساس تجميع كليات المجتمع في إطار جامعة متوسطة، وذلك من أجل هدف رئيسي واحد هو تشجيع الطلبة الذين يجتازون امتحان شهادة الثانوية على الالتحاق بالتعليم الجامعي الفني المتوسط، والذي تقدمه هذه الكليات. ويضمن هذا التشجيع السماح للطلبة المتفوقين في هذه الجامعة من إكمال دراستهم في مجال تخصصهم في الجامعات الأردنية الأخرى، والذي يطلق عليه عملية التجسير. والتجسير ليس بدعة، ففي الولايات المتحدة الأمريكية، على سبيل المثال، يسمح لكل طالب يكمل دراسته في كلية مجتمع ويحصل على تقدير جيد جدا أن يتابع دراسته في مجال تخصصه.
لقد بدأت جامعة البلقاء التطبيقية كجامعة لكليات المجتمع الأردنية العامة والخاصة،  وهدفها الوحيد إعداد الفنيين والتقنيين فقط. للأسف الشديد لم يستمرّ هذا الهدف، لهذه الجامعة، وبالتالي ما يزال  الخلل الكبير قائما، وما يزال الخطر جاثما. ولعل خير شاهد على هذا الخلل، وكما ذكر، أعداد الطلبة في الجامعات الأردنية، والذي يزيد على ثلاثمائة ألف طالب، وإعداد الطلبة في جامعة البلقاء التطبيقية والذي لا يزيد على عشرين ألف طالب.
إن جميع الأشخاص، ومع التقدير والاحترام لهم جميعا، الذين تولوا مسؤولية القرار في جامعة البلقاء التطبيقية بعد تأسيسها، وهم كفايات أكاديمية متميزة، إلا لم أنهم لم يحاولوا التعرف على الفكرة التي قامت على أساسها جامعة البلقاء التطبيقية، ولا على الخلل الخطير في هرم القوى العاملة والذي أنيط بهذه الجامعة معالجته.
إن مصلحة الدولة الأردنية، فيما يتعلق بحاجتها من  الفنيين والتقنيين، يتطلب أن تعود جامعة البلقاء التطبيقية إلى الأساس الذي تطورت فكرتها عليه، كجامعة للتعليم الجامعي والفني المتوسط فقط لا  غير، وهذا يتطلب أولا التخلص من جميع البرامج التعليمية الأخرى والتي هي من اختصاص الجامعات الأردنية الأخرى.
6 -    جامعة التعليم وجامعة البحث
إن الإدراك المتزايد بين المواطنين، لأهمية الجامعة، ولأهمية الرسالة التي تؤديها والوظائف التي تقوم بها والأهداف التي تسعى إلى تحقيقها، زاد وبدرجة كبيرة الإقبال على الالتحاق بالجامعة في جميع أنحاء العالم. من جهة أخرى إن البحوث العلمية التي تقوم بها الجامعات في الطب والزراعة والاتصالات والمواصلات وغيرها انعكس على نمط حياة الإنسان وأغناها وبدرجة كبيرة جدا.
وعلاوة على ذلك، لعبت الجامعة، وخاصة في الدول المتقدمة، دورا مهما كقيادة فكرية لسلطات الدولة وأجهزتها ومؤسسات المجتمع ومرافقه، ولعل خير مؤشر رقمي على تطوّر الاهتمام بالجامعة هو ازدياد عددها وازدياد عدد طلبتها في جميع دول العالم، فعلى سبيل المثال كان في الأردن سنة 1964 جامعة واحدة عدد طلبتها لا يتجاوز مئتي طالب، وأصبح الآن أكثر من عشرين جامعة يلتحق بها أكثر من ثلاثمائة ألف طالب.
إن الازدياد الكبير المطرد في عدد الجامعات، وفي عدد الطلبة الملتحقين بها، في جميع أنحاء العالم من جهة، وزيادة الاستفادة منها من جهة أخرى، طور فكرة تخصيص بعض هذه الجامعات لتكون جامعة تختص بالتعليم دون إهمال الوظيفتين الأخريين، وتخصيص بعضها الآخر لتكون جامعة تختص بالبحث العلمي دون إهمال الوظيفتين الأخيرتين أيضا. هذا وإذا ما ركزت جامعة على التعليم، بصورة رئيسية، فيطلق عليها جامعة تعليم، وإذا ما ركزت جامعة على البحث العلمي، بصورة رئيسية، فيطلق عليها اصطلاح جامعة بحث.
إن أغلب جامعات العالم، وخاصة جامعات العالم الثالث، ولأسباب مختلفة، لعل أهمها التمويل، هي جامعات تعليم واهتمامها بالبحث العلمي محدود جدا، وفي بعضها يكاد يكون معدوما. هذا الواقع غير السليم دفع بفكرة أن تختار بعض الدول بعض جامعاتها لتكون جامعة بحث بالمعنى الآنف الذكر، وتوفّر لها المتطلبات الضرورية لتكون كذلك، وهذه المتطلبات تتعلق بهيئة التدريس وبطلبتها وبتمويلها.
بصورة عامة يمكن القول إن الجامعات الأردنية تعنى بصورة رئيسية بوظيفة التعليم، أي أنها جامعات تعليم، وأن الاهتمام بوظيفة البحث فإنه محدود جدا، وخاصة البحث العلمي المتعلق بتطوير معرفة إنسانية جديدة ومتميزة، وعلى الأخص في مجال العلوم والتكنوولوجيا. وعلاوة على ذلك فإن الإقبال الكبير على الالتحاق بالجامعات الأردنية، والازدحام الذي يتجاوز الحدود المعتادة عليها في صقوفها يتطلب المزيد من الاهتمام بوظيفة التعليم والمزيد من الاهتمام بمتطلباته.
من ناحية أخرى فإن متطلبات العصر ، عصر العلم والتكنولوجيا، تفرض الاهتمام بالبحث العلمي، كما يفرض هذا الاهتمام حاجة الدولة الأردنية إلى جهة متخصصة في البحث العلمي لتطوير مؤسساتها ومرافقها والتصدي لمشاكلها وقضاياها الاقتصادية والاجتماعية والسياسية وغيرها. هذا الواقع قد يجعل التوجه نحو تخصيص بعض الجامعات الأردنية لتكون جامعات بحث، دون الإخلال بالوظيفتين الأخرتين لها، توجها مطلوبا، لا بل يمكن القول إن هذا التوجه أصبح توجها ضروريا. من جهة أخرى، إن تخصيص بعض الجامعات الأردنية لتكون جامعات بحث يتطلب ترتيبات خاصة فيما يتعلق بهيئتها التدريسية وبطلبتها وبتمويلها.
بالنسبة لأعضاء هيئة التدريس في جامعة البحث، فيجب أن يكونوا من المؤهلين أكاديميا للبحث العلمي، ومن المعنيين والمهتمين بالبحث العلمي. وبالنسبة لطلبة جامعة البحث يجب أن يكونوا من أكثر الطلبة قابلية وقدرة واستعدادا. وإذا ما طبقت قاعدة القبول التي تعتبر المدرسة الثانوية هي وحدة القبول الرئيسية للجامعات العامة الآنفة الذكر، فيمكن قبول أوائل الأوائل من كل مدرسة ثانوية في جامعة البحث. فعلى سبيل المثال، إذا ما قُبل الخمسون بالمئة الأُول الناجحون من كل مدرسة ثانوية، فيُقبل في جامعة البحث العُشر بالمئة الأُول منهم. وبالنسبة للتمويل، فلا بدّ من أن يُخصص تمويل سخي جدا لجامعة البحث حتى تقوم بوظيفتها. هذا وقد يكون من المناسب أن تخصص حصة الأسد من أموال صندوق البحث العلمي، ووفق قواعد محددة، لجامعات البحث الأردنية.
وأخيرا، وليس آخرا، إذا ما قبلت فكرة تخصيص بعض الجامعات الأردنية لأن تكون جامعات بحث ،ودون الإخلال بالوظيفتين الأخريين للجامعة، فلا بدّ من أن توزع  جامعات البحث الأردنية  هذه على مناطق الأردن فتكون الجامعة الأردنية في الوسط، جامعة العلوم والتكنولوجيا الأردنية في الشمال، جامعة الحسين بن طلال في الجنوب.



رئيس مجلس الإدارة: محمد داوودية - رئيس التحرير المسؤول: مصطفي الريالات - المدير العام: الدكتور حسين العموش