الصفحات
الكاملة
تيوب
الدستور
رسالة جلالة
الملك للدستور
موقع
زوار الأردن
موقع
جلالة الملكة
موقع
جلالة الملك

جماليات الرثاء في ديوان«دمعة وفاء» لسعيد يعقوب

تم نشره في الجمعة 17 آب / أغسطس 2018. 12:00 صباحاً

د. عماد الضمور
يمعن مفهوم النقاد القدامى لقصيدة الرثاء في تمثّل الصفات المادية للمرثي، ووضع القوالب الجاهزة لشكل المرثية، وبشكل يجعلها مرتبطة بالقدرة على استحضار الفضائل الخلقية، والتشبيهات المادية دون الاقتراب من جوهر المرثية القائم على استثارة كوامن النفس، وبعث أشجانها ذات الأبعاد الفكرية العميقة. 
وفي العصر الحديث كان العامل الزمني سبباً في تطوّر المرثية الحديثة، إذ صاغ الشعراء صراعهم مع الزمن في قالب وجودي، تخطى الحاضر إلى استشراف المستقبل بعوالمه المجهولة، ورؤاه الحالمة.   
ولم تعد الصلة في قصيدة الرثاء المعاصرة بين الراثي والمرثي صلة قرابة، أو صداقة فحسب، بل تعدتها إلى علاقة بطولية وقومية حميمة، فنراهم يرثون الشهيد، والوطن، والشاعر...إلخ، بصور تنبض بالحزن، والتمرّد على الزمن، بعدما كانت ـ قديما ًـ مستكينة، مهادنة، لا تتجاوز إطاريها الزمني والمكاني إلا في نماذج قليلة. 
وفي حقيقة الأمر أن المتابع للنتاج الشعري في الأردن، يجد وضوح نغمة الحزن في دواوين الشعراء، حيث أصبح الموت جزءاً من الخطاب الشعري المعاصر، إذ أحسّ الشعراء بجسامة الظروف السياسية المرتبطة بحالة الفقد الجماعي، ببعديه المادي والمعنوي، بعدما شكّلت انكسارات الأمة المتتالية بيئة خصبة لأحزانها المتحفّزة.
والمتتبع لمسيرة الشعر الأردني منذ زمن إمارة شرقي الأردن عام 1921م حتى اليوم يجد أن قصائد الرثاء تأتي متناثرة في دواوين الشعراء ذات الموضوعات المتعددة، حيث تشكّل مفهوماً إنسانيّاً شاملاً، تركّز فيه على قيم إنسانية وطنية خصبة.
لعلّ الديوان الشعري موضوع الدراسة (دمعة وفاء) للشاعر الأردني سعيد يعقوب جاء مختصاً بغرض الرثاء وحده، وموضوعاً له، ممّا يجعله الديوان الشعري الأول ـ في حدود تقديري ـ الذي  يتخذ من الرثاء موضوعاً لجميع قصائده.
لقد وضعنا الشاعر أمام إرث خالد لنماذج شعرية متدفقة العاطفة، تتلون بالنزاعات السياسية والوطنية التي أخرجت شعر الرثاء من البكاء والنواح إلى شعر وطني اجتماعي ينبض بضمير الأمة ومعاناة محبيها.
في قصيدة (الموت) ينزع الشاعر منزعاً وجوديّاً في التعبير عن حالة القلق  الإنساني، حيث الشعور بفناء البشرية، مما ولّد إحساساً عاماً بالمأساة، انطلاقاً من شمولية الموت، وحتمية وقوعه، حيث يقول(1):
الموت ُ يسعى لنا على عجل/ وكلنا في الحياة ذو أملِ/ في كلّ يومٍ يَشِنُ غاراتَهُ/ على عليلٍ وغير ذي عِللِ/ يُسمعنا صارخاً مَواعِظهُ/ ونحنُ عمّا يقولُ في شغلِ/ ولو عَقِلنا لم تَهوَ أنفسنا/ الدنيا ولم نلتفت إلى نفَلِ».
إنّ موقف الشاعر من الموت يحمل معاناة وألماً على مستويات عدة: فردية، وجماعية، وإنسانية، ممّا يحمل مواجهة حادة مع الموت الذي يسرق الأحبة، ويُحيل الحياة حزناً وألماً، فحالة العجز أمام الموت واضحة، لكنها في النهاية تجعل من الموت قوة موحدةً، تربط الشاعر بالكون، وتجعله أكثر ديمومة مع تجارب الآخرين.
لذلك فإن ديوان الشاعر (دمعة وفاء) يعكس صراع الموت مع الآخر بثنائية شعريّة منتجة للمعنى بلغة الفقد الحزينة، وروح النفس الثائرة على واقعها، فنجد الشاعر قد قسّم ديوانه إلى قصائد في الموت، ورثاء الشخصيات التاريخية والسياسية، ورثاء الشهداء، ورثاء الأقرباء، والأصدقاء، ورثاء الشعراء والعلماء والفنانين.
وهذا تقسيم منهجي يساعد الباحثين في قصيدة الرثاء دراسة كلّ موضوع منفرداً وصولاً إلى رؤية كلية لموقف الشاعر من الموت، وطرائقه في إنتاج المعنى، وتفعيل دور اللغة الإيحائي بشكل يعمّق من حالة الفقد، ويجعل المتلقي أكثر قدرة على استيعاب شحنات النص، ودفقاته الشعورية، وبخاصة عندما يعمد الشاعر إلى توظيف ما تكتنزه اللغة من دلالات تراثية تخضّب النص الشعري، وتجعله دائم التوهج بفعل الفقد. فنجده في قصيدة(أيها الراحلون) يطلب من الناس أخذ العبرة من الموت، حيث يقول(2):
«فَعلامَ الدِماءُ تَملأُ وجه الأرضِ/ تَكسو رُبوعَها بِخضابِ/ وعَلامَ البغضاءُ في كلّ نفسٍ/ وعَلامَ النُفوسُ ذاتُ احترابِ/ وعَلامَ الوجودُ يَبقى خِرافاً/ تتغذّى لسدّ جُوعِ ذئابِ/ وعَلامَ الوجوهُ فاضتْ وِدادَاً/ وعَلامَ الأحقادُ تحتَ الثّيابِ».
وفي رثاء الشاعر للقادة والسياسيين، تبرز قصيدة (رثاء ملك) في رثاء الملك الحسين بن طلال ـ رحمه الله ـ لترسخ من مكانة الهاشميين، ودورهم الحضاري في نهضة الأمة، فهم صانعو تاريخ وحضارة، سادوا بالمكارم والأخلاق، وهي حقيقة مهمة يبرزها الشعر الأردني؛ ليرسم من خلالها صورة ناصعة لنضال الهاشميين في سبيل أمتهم، حيث يقول(3):
«مَلكتَ فما ملكتَ سوى قلوبٍ/ على أحداقها حملتكَ وشْما/ وزيَّنَكَ التَّواضعُ وهو تاجٌ/ على هامِ الكبارِ يلوحُ فخْما/ وزادكَ مِن قلوبِ الشَّعبِ قرْباً/ وجودُكَ بينهم يوما فيوما/ تُداوي جرْحَ مَن يشكو وتجلو/ بسيفِ الحقّ عن ذي الحقِّ ظُلما/ وكـم سامحتَ عن ثقةٍ مُسيئاً/ يزيدُ جهالةً وتزيدُ حِلـمـا/ وكـم فرَّجت كرباً عن يتيم/ له بالعطفِ كنتَ أبـاً وأمّـا».
إذ يسرد حكاية الأمة مع ملك خدم شعبه، وأفنى حياته في سبيل نهضة أمته، ممّا عكس علاقة التلاحم بين الشعب والقائد، في صياغة وجدانية صادقة لتجربة انفعالية، تجاوزت فعل الموت؛ لتنبض بإنجازات الفقيد لشعبه الوفي.
يحتلّ فعل الشهادة مكانة واضحة في ديوان الشاعر، حيث انعكس في قصائد تحمل معاني التضحية والفداء، فضلاً عن بذل النفس رخيصة في سبيل إعلاء كلمة الله، والدفاع عن الوطن، إذ حملت قصائد الشهيد في الديوان فعلاً استشرافيّاً ينطلق من واقع الأمة ؛ للبحث عن مستقبلها، مستمداً من فعل الشهادة والشهيد مادة خصبة ذات صلة وثيقة بقصص البطولة والفداء، تبعث الحياة في جسد الأمة ، وتسجل تضحيات الأردنيين في سبيل أمتهم، كما في قصيدته التي يرثي فيها كايد مفلح العبيدات أول شهيد أردني على تراب فلسطين، حيث يقول(4):
«سوفَ تَبقى على فَمِ الدهر شعراً/ يتحدّى الأيام والأحقابا/ سوفَ تبقى للمجد لحنَ فخارٍ/ لذَّ في مَسْمَعِ الزّمانِ وطابا/ سوفَ تَبقى رَمزَ الفِداءِ ونُوراً/ ساطعاً يقهرُ الدُّجى غلابا/ سوفَ تبقى حَيّاً بكلّ فؤادٍ/ يعشقُ الحقَّ والفدى والتُرابا/ في سماء العُلا تُحلّق نسراً/ وعلى قمّة الشموخِ عُقـابا/ وتَمُدُّ النفوسَ عَزماً وتُحيي/ في القلوبِ المُنى وتُدني الرّغابا».
والشاعر وهو يعدد مناقب الشهداء، يتحدث عن شجاعتهم وإقدامهم، فإنه يُضيف إلى ذلك معنى روحيّاً عميقاً، فيجعل من حالة الشهادة تضحية سامية في سبيل وطن معشوق؛ ليتحول الخطاب من رثاء الشهيد وذكر مناقبه إلى ترسيخ لحبّ دائم للوطن، كما في قصيدته التي يرثي فيها الشهيد معاذ الكساسبة، حيث يقول(5):
«وطني وقَلَّ لك الفداءُ دَمي/ إن سال فوقَ ثراكَ أو نُزِفا/ أفديكَ من عاتٍ أخي صَلفٍ/ إن جَرَّ فيكَ الكِبرَ والصَّلَفا/ أصطَفُّ خلفَكَ غَيرَ مُتَّخِذٍ/ لي غَيَّر ما تَسمُو بِه هَدفا/ أمُعاذُ يا قَمراً تألق في/ هذا الدُّجى ما غاب أو خُسِفا».
فالشاعر يكشف عن قصة بطولة خالدة، وفداء للعروبة، خاضها الشهيد معاذ الكساسبة موحداً الأمة للدفاع عن رسالتها الحضارية، فشهادته مازالت راسخة في الوجدان، وشاهداً على التجذّر بتراب الوطن؛ ليبقى الشهيد مصدر خصب، ونبع عطاء، وصفاء، تعانق روحه الأمة، فتمدها بالحياة بعدما أجدبت الأرض، وفقد الزمن قدرته على العطاء، لذلك بقيت صورة الشهيد بعيدة عن الشعارات الزائفة، وراسخة في وجدان الأمة، كما في رثاء الشاعر للشهيد راشد الزيود الذي قدّمه الشعر نموذجاً للفداء، ورمزاً عصيّاً على الموت، متمرداً على الواقع، دائم السطوع في وجدان الأردنيين، حيث يقول مخاطباً الشهيد(6):
«يا (راشداً) أهدى الدماءَ رخيصةً/ ليظلَّ طِفلٌ في بلادي يفرحُ/ والأمنُ يبقى والأمانُ يُظلُّنا/ ويظلُّ صَوتُ الحَقُ فينا يَصدحُ/ وطنٌ جِنانٌ للصديقِ وإنّهُ/ نارٌ على الباغي تهيجُ وتَلفَحُ».لذلك فإن صورة الشهيد في قصيدة الرثاء ، تحمل تشكيلاً لونياً، ينفرد عمّا هو مألوف في رثاء الأشخاص الآخرين، فهي بمنزلة لوحة فنية تنتمي إلى تراب الوطن  يمثل الشهيد فيها الفعل الإنساني والمكاني منسوجاً بروابط الحبّ والانتماء ، ممّا جعل روحه قنديلاً ، يشعل جذوة الإبداع الشعري ، ويضيء طريق الأمة نحو التحرر .
وإذا كان رثاء الأهل والأقارب من أقدم صور الرثاء في شعرنا العربي القديم، فإن هذا الموضوع لم يكن غائباً عن قصائد الديوان، إذ أفرد الشاعر له باباً مستقلاً، جسّد من خلاله شعراُ حزيناً، يخفف عن الروح معاناتها، ويقدم الموت وفق رؤية أكثر عمقاً وشمولاً للحياة بأزمنتها المتباعدة ومكانها المتشظي، وذلك برثاء الأب والشقيق، والأصدقاء، حيث كانت قصائد الشاعر في رثاء والده مجسدة لحجم الألم، وعظمة الوجع، منتجاً رؤيا فكرية متحفّزة لاكتناه أسرار الموت، حيث يقول(7):
يا صاحبَ الشّيمِ الغراء معذرةً/ إني لأضعفُ من أن أكتمَ الضَّعفا/ لو حلّ في جبلٍ ما حَلّ بي لهوى/ حُزناً عليك ولو في زاخر جفّا/ لكن أعود إلى الصبر الجميل وكم/ خَطبٍ ثقيل بِحُسنِ الصَّبر قد خَفَّا/ فكم بكفِّك قد أسقيتني قيماً/ زَهرُ الرّوابي عليها يحسدُ الكَفَّا».والشاعر وفيٌّ للشعراء بعد وفاته، إذ جاءت قصائده الرثائية معبرة عن هذا المعنى، ومجسّدة لحبّ لا ينتهي لرسالة الشعر، وعنفوان الشعراء، وهذا جعل قصيدة الرثاء المعاصرة تتلون بقضايا عامة، تلامس الوجدان الجماعي للأمة، وتحرره من سيطرة تجربة الفقد الفردية  لتفجّر ينابيع الشعر، وتعبّر عن أحزان الجماعة وآلامها .
فنجده يجعل المكان شريكاً له في رثاء الراحل الشاعر حبيب الزيودي الذي عُرف بشعره الوطني الصادق، وعشقه لترابه الطهور، فكان رثاء الشاعر له معبراً عن علاقة الفقيد بوطنه، وبكاء المكان حزناً عليه، حيث يقول(8):    
«حَقٌ لعَمانَ لو تبكي الدُّموعَ دَما/ مضى الحبيبُ الذي سامى بها فَسَما/ مَنْ كان يُرْشُفها كأسَ الغَرامِ شَذَىً/ وكان يُسْمِعُها شَجوَ الهوى نَغَما/ وكان يرْسُمُ مِنْ أحلى ملامحها/ فَجراً ويُرسله سِحراً.. وكم رسما/ وكان يلهو على نجوى ضَفائرها/ ويمتطي نحوها كُحلَ الرُّؤى حُلما».
لقد أبرز رثاء الشاعر معالم واضحة لتجربة الفقد الحزينة، حيث البحث المؤلم عن جمالية الكتابة الشعريّة، وكأن الشاعر يكتب نشيد البوح الحزين للذات التي تسترجع عبرها أصوات الآخرين ، وما عكسته من معاناة .
 هوامش:
1 ـ سعيد يعقوب: دمعة وفاء، ط1، 2018، ص 9.
2 ـ المصدر نفسه، ص 22.
3 ـ المصدر نفسه، ص 45.
4 ـ المصدر نفسه، ص 72.
5 ـ المصدر نفسه، ص 101.
6 ـ المصدر نفسه، ص ص 103 ـ 104.
7 ـ المصدر نفسه، ص 116.
8 ـ المصدر نفسه، ص 211.

رئيس مجلس الإدارة: محمد داوودية - رئيس التحرير المسؤول: مصطفي الريالات - المدير العام: الدكتور حسين العموش