الصفحات
الكاملة
تيوب
الدستور
رسالة جلالة
الملك للدستور
موقع
زوار الأردن
موقع
جلالة الملكة
موقع
جلالة الملك

ما تملكه... يملكك

تم نشره في الاثنين 13 تموز / يوليو 2015. 03:00 مـساءً


 
  ولا تمش في الأرض مرحا إنك لن تخرق الأرض ولن تبلغ الجبال طولا - الإسراء 23
بعد أيام ستغسل دشداشتك البيضاء وتكويها وتعطرها، وتضعها في الدولاب لرمضان القادم، دعني أسألك هل تقمصت دور العابد الزاهد وأنت ترتدي البياض؟ وهل سمعت أحدهم يهمس لآخر أن ينظر إلى تلك الهالة من الضوء التي تدور في فلك رأسك؟
قل لي ماذا تلبس أقل لك من أنت، قل لي ماذا تركب أقل لك من أنت، قل لي ما لون قميصك المفضل أقل لك من أنت، وبالعموم قل لي ما تمتلك أقل لك من أنت. ما تمتلكه هو انعكاس لشخصيتك، وإذا كنت محروما من كل ذلك، فلا وجود لك! ما هذه إلا ترهات عالمنا المادي، الذي يحكم فقط بالمظاهر.
ولكن في الحقيقة، فالعكس قد يكون هو الصحيح، فأنا على قناعة أن ما تملكه لديه قوة تغيير كبيرة، وسيؤثر فيك، قد يجعلك واثقا من نفسك، وقد يؤدي في معظم الأحيان إلى جعلك شخصا مغرورا.
أمام هذه الهالة من مكتب فخم أو منصب رفيع، أو ساعة فخمة، أو حتى مجرد قبعة، ستجد تغيرا في تصرفاتك، أو على الأقل إطلاقا لعنان صفات مخبأة في شخصيتك، ولأشرح الفكرة، فإذا كنت ترتدي ملابس غير رسمية فستكون مرتاحا مرحا، أما لو كانت ملابسك رسمية فستشعر بالتقييد والجدية، وقس على ذلك، عندما تكون صاحب جاه وحولك مرؤوسيك يسهرون على راحتك، ستتطبع بالغرور وتنظر للناس بفوقية، ألم أقل لك أن ما تملكه هو ما يتحكم بك، وليس ما تملكه هو انعكاس لشخصيتك.
لعل ذلك قد يشرح مشكلة أصحاب الألقاب، عندما يتحكم بك اللقب والمسكن والبدلة والسيارة والسائق والمرافق، سيغيرون من شخصيتك، لتصبح أقل ما يمكن أن يقال أنها غير جميلة.
في هذه الحياة، لا يقلقني فقط البؤس وغياب العدالة والحروب والفقر، ولكن أصبح من هواجسي كل هذا الإعلام الذي يتحدث عن المشاهير، وهذه الإعلانات التي تملي علينا ما نشتري فجعلتنا نطارد الاستهلاك. يقلقني حرصي على شراء غيار داخلي يحمل اسم ماركة مشهورة، ويقلقني ملايين


 من البشر الموهوبين الذين لم يسمع بهم أحد، وفي المقابل مشاهير يفتقدون للحد الأدنى من المقومات أو الإنجازات، تتابعهم جماهير غفيرة
بشغف وينظرون إلى أنفسهم بإعجاب وكبر، نؤمن بهم لمظهرهم، ولا يؤمنون بنا لمظهرهم أيضا.
بت هذه الأيام أنظر للدراويش الذين قدمناهم في موروثنا على أنهم مجرد أناس قذرين مجانين، ولكنهم في حقيقة الأمر عرفوا أن الامتلاك يغير، فقرروا الزهد في حياتهم وملبسهم وتقشفوا واخشوشنوا رفضا لبشاعة الحياة المادية، ولعلهم بالصفاء يتقربون لخالقهم.
العلامة الشيخ محمد متولي الشعراوي، وهو من أعظم علماء الإسلام على مر العصور، قدّم محاضرة حصل بعدها على الثناء الكثير، لدى عودته طلب من سائقه أن يوقف عربته عند أحد المساجد حيث نزل العلامة، وغاب حتى قلق السائق ودخل يبحث عنه في المسجد، ليجده ينظف المراحيض، كانت تلك طريقته ليكسر العُجب في نفسه ويروضها على التواضع.
وما أرمي إليه، سواء أكان ما تملكه انعكاسا لشخصيتك أم كما بيّنت أن ما تملكه هو الذي يشكل شخصيتك وسلوكك، تذكر، لستَ ما تملكه، لست الوظيفة والسيارة والمنصب والهندام، لست رصيد حسابك، بل كل ذلك سيغيرك، حاول ما أمكن أن تتخلص من أدوات الرأسمالية، لا تكن درويشا، ولكن كن شخصا لا تغيره الأشياء. بالنسبة لي، كان هذا واحدا من دروس رمضان التي لا تنتهي، فهل تراها كذلك؟

 

رئيس مجلس الإدارة: محمد داوودية - رئيس التحرير المسؤول: مصطفي الريالات - المدير العام: الدكتور حسين العموش