الصفحات
الكاملة
تيوب
الدستور
رسالة جلالة
الملك للدستور
موقع
زوار الأردن
موقع
جلالة الملكة
موقع
جلالة الملك

الله يعرفُ من دفع القروش

رمزي الغزوي

الأربعاء 5 أيلول / سبتمبر 2018.
عدد المقالات: 1877

قبل أن تطال يد الترميم  مسجد بلدتنا الذي يناهز عمره 110سنوات، كان في جدرانه الخارجية كوات واسعة، تشبه الخزائن. تستخدم لغرض عظيم ونبيل، فالذي يود أن يتصدق برغيف خبز، أو قطف عنب، أو سلة تين، أو مدهنة زيت، يضعه في هذا الكوة ويمضي.
حين يخيم الظلام، وتركد الحركة، يأتي المحتاج متسللاً، ويمد يده في الكوة، ويأخذ حاجته. يومها كنا نخشى أن نخدش مشاعر الفقراء. وصرنا اليوم نحرثها بسكة عميقة، ونثلمها بفؤوس الاستعراض، والعرط الفاضي. 
على سبيل التفاخر، أخبرني مسؤول أعلامي بمؤسسة كبرى، قبل خمس سنوات، أنه تفاجأ بالكم المهول من الاستدعاءات التي تطلب المعونة وتشرح الأحوال والأوحال، هذه الرسائل تلقاها رئيس المؤسسة، خلال زيارته محافظة تغرق في جيب الفقر حتى شوشة رأسها. قال بالحرف الواحد: طرمنا (ملأنا) السيارة لعينها.
ساعتها غصت الدمعة بعيني، وتبركنت كريات دمي، فقلت بغضب: أنتم من علم الناس، وطبّعهم على (الشحدة) والتسول والابتذال، أنتم كسرتم عفة أنفسهم. أنتم مسؤولون عن هذه المهانة والجرجرة. إن كنتم تريدون العطاء اعطوا دون أن تجروحوا المعوزين، وتمرغوا أحاسيسهم بوحل الذل. ساعدوهم بصمت. لم يعجب المسؤول كلامي، بل لوى شفتيه، ثم قفز إلى موضوع آخر مع صديق يرافقني.
يتذكر أهلنا في بداية ثمانينات القرن الماضي، أن الناس كانت تأنف أن تتلقى المساعدة من أحد، حتى أن الأضاحي في بداية مشروع وصولها من الديار المقدسة، لم يأبه بها إلا القلة. وأن صندوق المعونة الوطنية في بداياته، كان يجد صعوبة باقناع الفقراء للتقدم بطلب إليه.   
من هذا الموقع أطلقتُ صيحة في رمضان قبل الماضي، ألا نصوّر أية مساعدة تقدم إلى الأسر العفيفة. والأطفال خصيصاً. وأن طرود الخير يجب أن تصل إلى بيوتهم تحت جنح الظلام، بلا شوشرة أو هوبرة. لا تذبحوا الناس بسيف التشهير والتزمير. اتركوهم ينهضوا من فقرهم بعزة نفس.
بفطرتها السليمة، وجدت الطفلة، أن اسم الجهة المتصدقة المطبوع على حقيبتها المدرسية يثقل كاهلها المثقل. ويجعلها مهب عيون التساؤل والتطاول. فشطبته. الصورة قديمة، ولكن الأمر يتجدد. لماذا نصر على ذبح من نمنحهم صدقاتنا؟
أعرف أن إظهار الصدقة ليس محرما، ولا عيبا، وأنه أحياناً يشيع حالة تحث الآخرين على أفعال الخير، ولكنه من جانب آخر يكسر كواهل الفقراء، ويقصم ظهورهم ويخترق حاجز عفتهم.
في القصة الشعبية، أن رجلاً استأجر جزاراً لذبح أضحيته. الجزار بدل أن (ينبّها) عن صاحبها، أي أن يقول عند الذبح، هذه عن فلان بن فلان، نبّها عن نفسه. صاحب الأضحية الذي سمع همسه؛ ضحك ملء فمه قائلاً: الله يعرف من دفع القروش. 

رئيس مجلس الإدارة: محمد داوودية - رئيس التحرير المسؤول: مصطفي الريالات - المدير العام: الدكتور حسين العموش