الصفحات
الكاملة
تيوب
الدستور
رسالة جلالة
الملك للدستور
موقع
زوار الأردن
موقع
جلالة الملكة
موقع
جلالة الملك

غربة دون سفر

د.حسان ابوعرقوب

الأربعاء 5 أيلول / سبتمبر 2018.
عدد المقالات: 262


نعيش في عالمنا العربي غربة عن العالم المتحضر، هي غربة نشعر بها ونحن في أوطاننا، لا نحتاج فيها للسفر، فالعالم قد رحل عنا بعيدا بينما لا نزال نراوح مكاننا، ننظر إليه وهو يبتعد عنا شيئا فشيئا، لنصبح وحدنا، نعيش غربتنا، ونندب حظنا.
إن الطريقة التي نفكر بها، أو السلوكيات التي نمارسها، بوعي أو بغير وعي، هي من أرسى غربتنا في ميناء البعد عن الحضارة والتقدم، فمجتمع يؤمن بالحظ وجدواه، وتنشط فيه قنوات: فك السحر، والحماية من العين والحسد، وتفسير المنامات، لا شك أنه مجتمع يعيش في منأى عن العلم والفكر والمنطق السليم؛ لذلك تجد أفراده يكره بعضُهم بعضا؛ لأنه تسبب من خلال السحر أو العين أو الحسد إلى: إفشال زواجه، أو رسوب ولده (ذكرا أو أنثى) في الثانوية العامة، أو تأخر زواج أولاده (ذكورا وإناثا)، أو إصابته بمرض عضال، أو فصله من عمله، ...الخ. ولا أقول: إنه لا يوجد حسد أو عين أو سحر، ولكنني أجزم بأنها تستعمل بشكل مبالغ فيه جدا. ولعل السر في ذلك أنها أمور لا يمكن كشفها، ويسلم الناس بها، فلو قلت: إن ابني رسب لأنه لم يدرس بشكل صحيح أو كاف، لكان ذلك عارا عليك، من وجهة نظرك، فتهرّبك من هذا العار يكون بقولك: لقد حسد الولد، أو أصيب بالعين، أو سحر، فتكون قد أسقطت الناس في عالم مجهول، ليس له قرار، وينجيك من كل لوم أو عار.
ومن أهم ما يجتاح عقول فريق من الناس الجنّ وتلبسه بالبشر، ، ومع أن المسألة خلافية عند العلماء، إلا أن مقدار انتشارها بين الناس للأسف غير منطقي ولا صحيح، ومن يتابع العاملين في تسخير الجان يعلم كذبهم واستهتارهم بعقول الناس مستغلين ضعفهم تارة، وجهلهم تارة أخرى.
إذن الأوهام أو التوهمات هي (الشمّاعات) التي نعلق عليها فشلنا في الحياة، رافضين أن نصف أنفسنا بالفشل أو الإخفاق أو التقصير، إننا نعجز -بناء على ثقافتنا التي تربينا عليها- أن نوجّه النقد لأنفسنا، وأن نحاسبها؛ لأننا ندّعي الكمال والتمام دائما.
إننا في كثير من الأحيان نتمسّك بعاداتنا ونفاخر بها، وإن كانت غير ذات جدوى، أو حتى ضارة لا تنفع، المهم أن نحافظ على المتوارث، بغض النظر عن قيمته وأثره على الفرد أو المجتمع. كثير من هذه العادات تعود إلى عصر الجاهلية أو ما قبله، وكثير منها قد يتنافى وتعاليم الأديان السماوية، كل هذا لا يهم فريقا منا، ما يهمهم أن تظل هذه العادات والتقاليد سائدة؛ لأننا توارثناها عن الآباء والأجداد. ومن هذه العادات: الثأر، وحرمان الإناث من الميراث، وعملية الجلاء لعائلة القاتل من منازلهم، وما يحصل من تفاخر وسرف في بيوت العزاء والأعراس...الخ.
فواجب على أهل الدِّين والعلم والفكر والرأي والفن والإعلام والصحافة أن يتكاتفوا جميعا للقضاء على الأوهام الفكرية والسلوكيات الخاطئة التي تمارس في المجتمع، ليقوموا بتصحيح السلوك وتقويم العقول، وهي مهمة من أخطر المهمات وأصعبها، لكن من خلالها تزول الغشاوة عن عقولنا وسلوكنا فننهض لنتحرك ونلحق بالأمم المتحضرة التي بنت حضارتها على العلم والفكر واحترام القانون والنظام العام.
إن ما نعانيه من غربة سببه الجهل والسلوك الخاطئ، فمتى بنيت أمورنا على أساس علمي في: بناء الأسرة، وتربية الأولاد، وكيفية الدراسة، وتنظيم الوقت، وتكوين الشخصية القيادية، وتحصيل الثروة، لن يكون للحسد والسحر والعين ذكر يلتفت إليه؛ لأننا بالعلم نمحو آثار التخلف والجهل.

رئيس مجلس الإدارة: محمد داوودية - رئيس التحرير المسؤول: مصطفي الريالات - المدير العام: الدكتور حسين العموش