الصفحات
الكاملة
تيوب
الدستور
رسالة جلالة
الملك للدستور
موقع
زوار الأردن
موقع
جلالة الملكة
موقع
جلالة الملك

فزاعة من خشبتين وقميص

رمزي الغزوي

الخميس 6 أيلول / سبتمبر 2018.
عدد المقالات: 1957


سنتجاوز عن موجة الحر التي طبخت رأس شهرنا البهي، وسنسامحها حينما نرى غيوم القطن تجيش من جديد في بوح السماء والصفاء. عندها سنقول بقلب عاشق ملتاع: لقد استرجعنا أيلول الندي. فيا أهلاً برائحة الخريف الشفيف.
كأن هذا الشهر المخضب بالوسن يطالعنا بسحب ترفُّ جدائلها على بوح الطرقات، وبلذعة من برد حميم أول المساء. أيلول المُشرب بندف الياسمين وسحر (الطيّون) يأتينا فارشاً نداه على أسطح السيارات، وأوراق الغائبين.
أيلول بقايا المكاثي (الحقول التي تزرع بالخيار والفقوس)، وأواخر عرائش البطيخ، وأكواز (الصبر) الناضخة على عربات الباعة الجوالين. وبواكير رمان يتدلى بإمتلاء. أيلول بوح خريف متلهف لعنب سيؤول إلى العسل والزبيب. 
وأيلول التين. وما أدراك ما التين؟!. فمع صوت المؤذن ننفض عنا خفيف اللحاف، ونمسح على عجل أواخر النوم من مآقينا، ونهرع إلى الكروم، وطائر(الزرزور) ما زال يهوي بنومه الطفيف. والبلبل السكران ينوس آخر أغانيه، فننتقي عن الشجرة كلَّ حبةٍ تين نزَّ منها رضابُ الشهد. فهل جربتم تيناً مشطباً بأسواط العسل؟!!.
التينة أمنا الرؤوم، ومرتعنا الحاني، ومخآبئنا من لهيب القائظة، ولفح الحر، على جذوعها الغليظة حفرنا أسماء حبيباتنا الصغيرات، بخجل جميل، وحضناها بخجل أجمل. التينة ذاكرتنا الحميمة في الشتاءات البعيدة ومواقد الحطب، فمع قلائد القطين (التين المجفف)، كنا نعبر برد كوانين، وثلوجها بدفء يدغدغ الدماء.
و(القُطين) نصنعه بطريقتنا، فننتقي أفضل الحبات من التين المعسول، ونرتبها على حجارة ملساء، في مكانٍ مشموس، ولكي نذبَّ عن تيننا المرصوف شراهة بعض الطيور؛ كنا ننصب فزاعة من خشبتين متقاطعتين، نلبسها قميصاً مهترئاً، وكوفية قديمة. وعند جفاف التين، وتحول لونه إلى ذهبي، يُنظم بخيوطٍ على شكل قلائد، نعلقها في البيوت لشتاءٍ قادم.          
        من التين ما يمتد إلى تشارين بثمره، فيعطيك مذاقاً آخر، ومنه ما يعطي أكلها مرتين في السنة، وشجر التين يعيش مروياً، والأشهى البعلي (الذي يعتمد على ماء المطر)، ولكل بصمته الذائقية: البياضي، الرجافي، الخضيري، السوادي، العسالي، السطامي، الجحاشي، ارقابي، ماوردي ،احماضي ،إحراقي، وغيرها مما نسيت اسمه، ولكن مذاقه يخلد في الذاكرة!.
وإذا كان أطيب الزيت، وأشهاه، وأقربه إلى لألأة الذهب ومائه، ذلك الزيت المجني من زيتونة لا شرقية ولا غربية، أي زيتونة مشموسة في كل حين، فإن أطيب التين، وأجله في ذاكرة التلذذ، تينٌ تسقيه غزلان الندى وترضعه دموعها (وغزلان هي تسمية نطلقها على غيوم الصيف الناعمة، التي تتولد مع الفجر فارشة نداها على الأشجار في سفوح الجبال).    

رئيس مجلس الإدارة: محمد داوودية - رئيس التحرير المسؤول: مصطفي الريالات - المدير العام: الدكتور حسين العموش