الصفحات
الكاملة
تيوب
الدستور
رسالة جلالة
الملك للدستور
موقع
زوار الأردن
موقع
جلالة الملكة
موقع
جلالة الملك

ورحل أمير الدبلوماسية العربية

عبدالله محمد القاق

الأحد 12 تموز / يوليو 2015.
عدد المقالات: 51

سياسي مخضرم، يعد أقدم وزير للخارجية في العالم، حيث تولى حقيبة الخارجية السعودية منذ عام 1975، وقادها منذ ذلك الوقت حتى يومنا هذا، أي أنه يقود السياسة الخارجية السعودية منذ 40 عاماً.
تخرج الأمير سعود، وهو الابن الثاني للملك الراحل فيصل، من جامعة برنستون بولاية نيوجيرسي بالولايات المتحدة عام 1964، حيث حصل على شهادة البكالوريوس في الاقتصاد.
رحل الامير سعود الفيصل وخلف وراءه ارثا سياسيا وثقافيا يتباهى به السعوديون، حتى بات ايقونة على لسان كل من اراد الخوض في حديث سياسي، لذا كانت عبارة  تكفى يا سعود الفيصل  هي العبارة والايقونة الابرز التي كان يرددها السعوديون في مجالسهم للتعليق على كل من يشرع في الخوض بحديث سياسي.
غاب سعود الفيصل الذي عمل وزيرا للخارجية في عهد اربعة ملوك، بدءا بالملك خالد بن عبدالعزيز واخيرا خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز، الذي وافق على طلب الاعفاء المقدم من الفيصل نفسه، وكانت عبارة الفيصل الاخيرة والابرز آنذاك  سوف أظل الخادم الأمين .
رحيل الفيصل من المؤكد انه لن يكون حديثا عابرا، لأنه في الاساس لم يكن شخصا اعتياديا، فطائرته التي ستفقد غيابه وكثرة تنقلاته ستكون شاهدا على عمله، والعاملون والمرافقون له طوال مسيرته العملية ايضا سيخرجون مجلدات من المعلومات التي وثقوها عنه وشاهدوها عن قرب.
ومن ابرز ما وصف به الامير الراحل سعود الفيصل رحمه الله هو ما ذكره الامين العام السابق لجامعة الدول العربية عمرو موسى حين قال: هو مدرسة الديبلوماسية العاقلة والآراء الرصينة القوية، كان قويا حين يحتاج الموقف الى القوة، وانسانا حين يحتاج الموقف الى انسان، وديبلوماسيا حين يحتاج الموقف الى ديبلوماسي، وخبيرا حين يحتاج الامر الى رأي خبير.
ويعد الأمير سعود الفيصل عرّاب الديبلوماسية السعودية لأربعة عقود، حيث تولى مهامه وزيرا للخارجية في مارس من عام 1975 في وقت كان العالم فيه يرزح تحت وطأة الحرب الباردة والتنافس بين المعسكرين، واتفاقية كامب ديفيد، وحقبة حروب الشرق الأوسط التي لا تنتهي، من الحرب الأهلية اللبنانية، الى دخول الجيش السوفييتي الى كابل واندلاع المقاومة الأفغانية وما تلا ذلك من حرب أهلية، الى الحرب العراقية - الإيرانية (حرب الخليج الأولى)، واتفاق الطائف، ثم احتلال الجيش العراقي للكويت الذي كان السبب في  حرب الخليج الثانية  ثم انهيار جدار برلين وانهيار الشيوعية الذي توجه تفكك الاتحاد السوفييتي، ثم محادثات السلام بين الفلسطينيين والإسرائيليين، وحتى أحداث 11 سبتمبر 2001، وما تلا ذلك من احتلال القوات الأميركية لأفغانستان ثم العراق في عام 2003، وحتى أحداث الربيع العربي التي أطلق شرارتها بائع خضار تونسي متجول في أواخر ديسمبر من عام 2010، وما تلا ذلك من أحداث في مصر والبحرين وليبيا واليمن وسورية، وصولا الى تشكيل أول تحالف عربي لإنقاذ دولة عربية من شفير الانهيار، حيث تمدد الحوثيون في اليمن وتمردوا على شرعية الدولة.
في مجمل احاديثه، كان رحمه الله، يرفع لواء السلام، ويتحدث بنبرة الغيرة والحسرة احيانا، على القضية الفلسطينية، ويعاود التأكيد في كل مناسبة ان السعودية تعتبر قضية فلسطين قضيتها الاولى، بل لا يتوقف الوزير العتيق للحديث عن بلاء الامة العربية والاسلامية واسباب ضعفها في مواجهة اعدائها، وفي اغسطس الماضي وفي اجتماع منظمة التعاون الاسلامي في جدة تساءل مع نظرائه عن اسباب ضعف الامة قائلا: لماذا نحن في ضعف؟ وهل كان في مقدور اسرائيل العدوان على غزة لو ان الامة موحدة؟ هذا الفؤاد النابض بالقضايا العربية والوحدة الاقليمية اكسب الفيصل مكانة خاصة في قلوب ملايين العرب، الذين يبادلونه الاحترام والتقدير في عدة محافل.
وبحكم عمله وزيرا للخارجية، شارك الفيصل في عضوية الكثير من اللجان العربية والإسلامية مثل اللجنة العربية الخاصة ولجنة التضامن العربي واللجنة السباعية العربية ولجنة القدس واللجنة الثلاثية العربية حول لبنان ضمن وزراء خارجية الدول الثلاث وغيرها.
وكان الأمير الراحل يتقن سبع لغات بالإضافة إلى العربية منها الإنجليزية والفرنسية والإيطالية والألمانية والإسبانية والعبرية وعاصر خلال توليه منصب وزير الخارجية لأكثر من ملك في بلاده، والراحل سعود الفيصل متزوج من الأميرة الجوهرة بنت فيصل بن عبدالله آل سعود وله 3 أبناء و3 بنات.
والأمير سعود الفيصل، يمثل السياسة الد بلوماسية السعودية، بمنهجها الأصيل. ومن تابع كلماته يجد فيها البراهين على صدق القول والفعل عن القيادة في المملكة العربية السعودية.ويذكر عن الأمير مداخلة سموه التي ما زال يتذكرها العرب في قمتهم الأخيرة بشرم الشيخ. في  29 مارس 2015م.. عندما قال في تعليقه على كلمة بوتين في مؤتمر دولي قوله :لدي ملاحظة على الرسالة التي أتت من رئيس جمهورية الاتحاد الروسي، هو يتكلم عن المشاكل التي تمر بالشرق الأوسط، وكأن روسيا ليست مؤثرة على هذه المشاكل، وعلى سبيل المثال سوريا، هم يتكلمون عن مآسي الوضع في سوريا بينما هم جزء أساسي من المآسي التي تمس الشعب السوري، يمنحون من الأسلحة للنظام السوري ما هو فوق حاجته لمحاربة شعبه، يمنحونه الأسلحة الاستراتيجية، وحتى هناك تقارير أن لديهم أسلحة من روسيا ضد الأنظمة الدولية التي تحد من استخدام الأسلحة الفتاكة، خاصة وأن القانون الروسي نفسه يمنع روسيا من بيع السلاح للدول التي تستخدمه لأسباب الهجوم وليس الدفاع، فكيف نستطيع أن نأخذ ما يعرضه علينا جميعا! هل هو استخفاف بآرائنا حول مصالح العمل العربي في سوريا! هل هو عدم شعور بالكارثة التي حلت بسوريا من الأسلحة الروسية؟ ألا يجوز له وهو كان صاحب اختيار طريق (جنيف1) و(جنيف2) لحل المشكلة السورية، ألا يحق لنا أن نسأله: كيف يمكن أن يدعو لهذا الحل السلمي وفي نفس الوقت يستمر في دعم النظام السوري وهو بزعمه أحد الطرفين، مع أنه النظام فقد شرعيته وفقد كل ما لديه من اتصالات بالعالم المتحضر..
أنا لا أريد أن نقف ضد روسيا أو لا نراعي مصالح روسيا، بل نبني مصالح مع روسيا، ولكن نأمل أن نتمكن من النظر إلى روسيا كبلد صديق يريد الخير للعالم العربي ولا يسعى لمساعدة الشقاء في العالم العربي”.
وهناك مداخلة تاريخية اخرى لا تنسى للأمير/ سعود الفيصل في مؤتمر الأمن والسلام في العراق والمنعقد في فرنسا - 15 سبتمبر 2014م.. وهي غنية بالرسائل القوية الواضحة.
أربعون عاماً قضاها الأمير سعود الفيصل من حياته في العطاء والتميّز خدمة لدينه ووطنه، وفي قضايا العرب والمسلمين قاطبه في أصقاع الأرض، وسطّر له التاريخ أعماله وإنجازاته العظيمة التي لا يستطيع أحد إنكارها، والتي ثمّنها المجتمع الدولي والشعوب العربية والإسلامية عامة والشعب السعودي خاصة والتي تصب في خدمة دينهم وأوطانهم، ومصالحهم وقضاياهم الشخصية والعامة..
سعود الفيصل هو بمثابة رمز من رموز هذا البلد.. ومن واجبنا نحوه أن نفاخر به على المستوى الدولي فهو عميد العالم للسياسة الخارجية.
لقد كانت له مواقف تاريخية عديدة خلال مشواره الدبلوماسي -أطال الله عمره- ليخدم السلام والاستقرار في المنطقة والعالم، وسعى بكل قوة لرفع راية الدبلوماسية السعودية، حيث تمتعت المملكة في عهده بمؤسسة دبلوماسية على مستوى دولي متقدم يليق بمنزلتها العالمية.
كتب وتحدث عنه رؤساء كبار ووزراء من مختلف دول العالم ومنهم ميخائيل غورباتشوف آخر رؤساء ا?تحاد السوفيتي فقال: “لو كان لدي رجل كسعود الفيصل ما تفكك الاتحاد السوفييتي وانتهى”.. وكذلك عندما سُئل صدام حسين الرئيس العراقي من الرجل الذي تخشاه ابتسم وقال: “سعود الفيصل؛ أدهى من قابلت في حياتي، فحينما كنت في حرب إيران جعل العالم معي، وبعد أن دخلت الكويت قلب العالم ضدي، وكل ذلك يكون في مؤتمر صحفي واحد!”، وقال عنه ديفيد ميليباند وزير الخارجية البريطاني السابق: “سعود الفيصل يستطيع أن يحصل على ما يريد، ومنح السعودية قوة خارجية لا يستهان بها”. أحد مستشاري الرئيس الروسي الأسبق بوتين قال عنه: “إن سعود الفيصل يتحدث بوضوح تام يجعل محادثيه في حيرة من أمرهم، كيف يكون وزير خارجية بهذا الصدق!”.. وغيرهم الكثير أمثال جيمس بيكر وكوشنر وبطرس غالي. ويكفيه فخراً برقية الوفاء التي سطّرها خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان عرفاناً وامتناناً بما قدمه هذا الرجل على مدى خدمته.. فسعود الفيصل قامة دبلوماسية قلما نجد مثيلاً لها عربياً بل حتى دولياً.
أسفه الرئيس في مسيرته الطويلة هو أن المشكلة الفلسطينية التي كرّس والده حياته لها لم تحل بعد.
* رئيس تحرير جريدة “ سلوان الاخبارية “ الأُردنية. -
 [email protected]

رئيس مجلس الإدارة: محمد داوودية - رئيس التحرير المسؤول: مصطفي الريالات - المدير العام: الدكتور حسين العموش