الصفحات
الكاملة
تيوب
الدستور
رسالة جلالة
الملك للدستور
موقع
زوار الأردن
موقع
جلالة الملكة
موقع
جلالة الملك

دور الأئمة في المجتمع المعاصر

تم نشره في الثلاثاء 18 أيلول / سبتمبر 2018. 12:00 صباحاً
الدكتور جمال السفرتي

الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين..
إن للإمام والداعية منزلة عظيمة ومكانة عالية ومهنة جليلة في رفع شأن الأمة ونشر الخير والمعروف والرحمة بين الناس كافة.
والإمام الناجح والداعية الموفق هو الذي اتخذ نبيه محمداً إماماً وقدوة.. وهذا ما يجب على كل مخلص وصادق في حمل الرسالة، لأنه هو الإمام الأول والدعاية الأشرف الذي حمل الرسالة وأدى الأمانة ونشر أنوار الدعوة والخير والمحبة تحت راية «وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين».
فإذا انطلق الإمام والداعية من خلال هذا المنهج النبوي العظيم، وتحت ظلال هذه الراية الشريفة، فسينجح بإذن الله تعالى وستفتح له القلوب والعقول والبيوت والشوارع وكل الأماكن، لأنه داعية رحمة وخير جعل قدوته وإمامه الأول والداعية الأعظم سيدنا محمد.
الإمام النبي القدوة هو الذي حمل على كاهله هم الدعوة وانطلق مع أصحابه الكرام يبلغون رسالة الخير والمحبة على طريق من الهدى والنور والرحمة، وهذا النبي الكريم انطلق في دعوته معتمداً على ركيزتين أساسيتين:
 ركيزة يعتمد عليها في التعامل مع القوم الذين سعدوا باتباعه والإيمان برسالته، وهي قائمة على قوله تعالى (إنما المؤمنون إخوة). و (ولو كنت فظاً غليظ القلب لانفضوا من حولك).
وجعل النبي ركيزة ثانية له يعتمد عليها في التعامل مع الذين تأخروا في إسلامهم أو أنهم لم يسلموا أبداً وبقوا على دينهم حيث أرادوا واختاروا، فكانت تلك الركيزة هي (وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين) (ولا إكراه في الدين).
وبهاتين الركيزتين العظيمتين فتح الله على يديه قلوب الخلق وعقولهم.
وفتح كذلك بين أيدي الأئمة والدعاة أبواباً مشرعة وجب عليهم الدخول منها في سبيلهم لخدمة البشرية ونشر الرحمة والمحبة والإنسانية.. فإن فعلوا ذلك أثبتوا انتماءهم لمدرسة نبيهم وإمامهم ومنهجه.
ومن هنا نرى أنه لا ينبغي أبداً لإمام أو داعية أو عالم أو مفكر أو باحث أو حاكم أو محكوم أن يجتهد على اجتهاد الإمام الأول ويفسر سنته القائمة على أساس العدل والرحمة والمحبة بين الناس كما يحلو له وكما هو يعتقد أنه الصواب.
منهاج دعوي جلي واضح وضعه النبي بين أيدينا مستنداً على هاتين الركيزتين الكريمتين.. فوجب علينا من خلالها أن ننطلق ونتحرك ونراعي الظروف المختلفة للأحوال والأماكن والأزمان والبلدان بشرط أن لا نبدل الرحمة قسوة والأخوة عداوة.
لذلك يا أئمة المساجد.. يا أيها الدعاة، يا أيها القناديل في دجى الأيام.. يا نوراً يبدد ظلمة القلوب والأرواح، تذكروا دائماً نبيكم وإمامكم الأول سيدنا محمد.
تذكروا ركيزته الأولى في التعامل مع المسلم (إنما المؤمنون إخوة) ولهذه الآية كما تعلمون أحكام وأحكام، وقف عندها من سبقنا ومن عاصرنا ويضيق الزمان على عدها وحصرها.
وتذكروا قوله تعالى (ولو كنت فظاً غليظ القلب لانفضوا من حولك)، تذكروا هذا الخطاب العظيم الجليل، وهو خطاب على غاية عظمى من الدقة والحساسية.. خطاب لمن؟؟ للنبي؟؟ نعم للنبي ويوجه له سبحانه هذا الخطاب ليتعلم كل إمام أو داعية لأن النتيجة صعبة وخطرة (... لانفضوا من حولك) من هؤلاء؟؟ إنهم أبو بكر وعمر وعثمان وعلي والصحابة.
وإنها رسالة من الحكيم الوهاب إلى كل الدعاة والأئمة في كل زمان ومكان، إذا كان الصحابة أصحاب عصر السعادة قد تضيق صدورهم من تحمل فظاظة القول وغلظة الأسلوب، فكيف الحال بكم..؟
فأنت أيها الإمام لست نبياً، وذلك المبلغ ليس صحابياً، وتذكروا قوله «المسلم أخو المسلم، لا يظلمه ولا يخذله ولا يحقره»، وقوله «كل المسلم على المسلم حرام، عرضه وماله ودمه».
وحديث أسامة بن زيد -رضي الله عنه- الذين تعلمونه جميعاً «بعثنا رسول الله إلى أناس من جهينة، فأتيت إلى رجل منهم فذهبت أطعنه فقال: لا إله إلا الله، فطعنته فقتلته، فجئت إلى النبي فأخبرته، فقال: أقتلته وقد شهد أن لا إله إلا الله؟ فقلت: يا رسول الله إنما فعل ذلك تعوذاً. فقال: فهلا شققت على قلبه؟، وفي رواية أنه قال: «أقتلته بعد ما قال لا إله إلا الله؟ فما زال يكررها حتى تمنيت أني لم أكن أسلمت قبل ذلك اليوم. وفي رواية «فكيف تصنع بلا إله إلا الله إذا جاءت يوم القيامة.».
من هنا إخوتي وأحبتي الدعاة الكرام.. لا تحاسبوا الناس على ما خفي في قلوبهم ولا يعلمه إلا الله، عاملوهم باحترام هيبة كلمة الإيمان التي تنطلق على ألسنتهم، وجّهوهم، علموهم، انصحوهم، ولا تحاسبوهم، اصبروا عليهم، وابتسموا لهم، وثابروا على النصح والإرشاد ولا تقنطوا من ذلك.
ولا تيأسوا من بطء استجابتهم، وضعف امتثالهم، فالله -عز وجل- خاطب نبيه الكريم وخاطبنا جميعاً: (فذكر إنما أنت مذكر لست عليهم بمسيطر).
فأجر الدعوة والتبليغ لن يفوتك -بإذن الله تعالى- سواء استجاب المدعو أم لم يستجب، فالواجب عليك التذكير والتبليغ بالنصيحة والموعظة الحسنة والهداية على الله.
أيها الدعاة..
هناك قدر كبير من المسؤولية يتحمله من يقوم بالإمامة والخطابة والوعظ والدعوة، وهناك ما هو واجب عليكم وليس واجباً على غيركم من عامة الناس، فالواجب عليكم أن تنشروا في مجتمعاتكم مبادئ العزة والشهامة والرحمة النبوية وحسن التعامل مع الناس سواء كانوا مسلمين أو غير مسلمين وفق المبدأ القرآني والمنهج النبوي.
علينا جميعاً أن نجدد العهد مع مرتكزات النبوة في طريق الدعوة، وأن لا نحيد عن طريق سلكه النبي، وعبده بين أيدينا، ثم عمد إلى امتثال أمرين عظيمين وعامين من خالقه ومولاه سبحانه وتعالى، وعلينا أن نتمثل هذين الأمرين استجابة وسلوكاً والتزاماً:
1)وقولا للناس حسنا (وهنا قال) للناس ولم يقل للمسلمين.
2)وجادلهم بالتي هي أحسن (وهنا إذا كان المقصود غير المسلمين فكيف سيكون الحال مع المسلمين).
لذلك أيها السادة:
إن الأمانة التي حملها الإمام والدعاية تحتم عليه أن يكون مبشراً لا منفراً، محباً لا مبغضاً، سمحاً لا غليظاً، ليناً لا قاسياً، لطيفاً لا فظاً، داعية لا قاضياً، إماماً لا حاكماً.
أيها الأئمة والدعاة والوعاظ والخطباء الكرام..
في تاريخكم المشرف قصص وسير وأحوال وحكايات وعبر مضيئة مفيدة ملؤها الحكمة والسماحة والعزة والرحمة، انقلوها للناس وعلموها للخلق، وتخلقوا بها.
أيها الإخوة..
الإمام معلم وواعظ ومصلح يربي عقولاً، ويبني نفوساً، ويغرس قيماً وأخلاقاً حميدة، ولذا فإن عمله ليس محصوراً بإمامة الناس في الصلاة فقط، إنما هو عامل وحدة وتوفيق بين المسلمين، ولا يسمح للإمام المنصف المخلص التقي النقي أبداً أبداً أن يقف أمام الناس يكفر الجهة الفلانية من المسلمين ويفسق ويبدع الأخرى ويخوّن غيرها وكأنه هو أحد الصحابة الكرام وغيره من المرتدين.. لا يسمح للإمام في مسجده، وللواعظ في موعظته، وللمفتي في وظيفته أن يكون لجماعته على حساب تحطيم الآخرين وتدميرهم، فالإمام هو ممثل النبي، فلو كان النبي موجوداً لما تجرأ أحد أن يقف  على هذا المنبر أو في ذلك المحراب أبداً.. لذلك فالإمام للجميع، يحتضن الجميع بقلبه ويوجه النصيحة بحكمة وهدوء دون إساءة أو تجريح.
أيها الأئمة.. أيها الدعاة:
النبي يقول: أمتي هذه أمة مرحومة.. نحن أمة التبشير والأمل ولسنا أمة التقنيط واليأس..
يا أحبتي.. يا حملة راية الدعوة.. يا حملة النور والضياء.. يا أئمة المساجد.. يا وعاظ الأمة ودعاتها.. الناس في أعناقكم أمانة بشروا ولا تنفروا.. اقبلوا على الناس ولا تدبروا.. افتحوا لهم قلوبكم وصدوركم.. كونوا في موضع عباد الله تخضع قلوبكم لله الواحد الأحد، وترجون منه الفضل والرحمة.. ولا تضعوا أنفسكم -من حيث لا تشعرون- في منزلة الإله تحكمون على الناس بالردة والكفر والفسق والخيانة، وتذكروا ولا تنسوا هذا الحديث.. احفظوه واكتبوه في دفاتركم وعلى جدران بيوتكم ومساجدكم.
أذكروا حديث البطاقة وهو حديث صحيح من حديث عبدالله بن عمرو -رضي الله عنهما- أن النبي قال: «إن الله تعالى سيخلص رجلاً من أمتي يوم القيامة على رؤوس الخلائق، فينشر عليه تسعة وتسعين سجلاً، كل سجل مد البصر، فيقول الله -جل وعلا- للعبد: أتذكر من هذا شيئاً؟ أظلمك كتبتي الحافظون؟ فيقول العبد: لا يا رب! فيقول: أفلك عذر؟ فيقول العبد: لا يا رب. فيقول الله -جل وعلا: بلى، إن لك عندنا حسنة، فتخرج بطاقة مكتوب فيها: أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله. فيقول العبد: يا رب ما هذه البطاقة إلى جوار السجلات؟ فيقول الله -جل وعلا: أحضر وزنك، فإنه لا ظلم عليك اليوم، فتوضع السجلات أي: الصحف، في كفة، وتوضع البطاقة في كفة، فطاشت السجلات وثقلت البطاقة، فإنه لا يثقل مع اسم الله شيء.»
هي بطاقة صغيرة ليس فيها كثير عمل من صيام وصلاة وزكاة وحج وجهاد، فيها: لا إله إلا الله، أنقذته من لظى جهنم ولهيبها.. إنها بطاقة الإيمان والتوحيد والانتماء لهذا الخالق العظيم.
بطاقة (لا إله إلا الله) تنقذ عبداً ضاقت سجلاته بالآثام والتقصير، بطاقة (لا إله إلا الله) من قالها في الدنيا عصم دمه وماله وعرضه.. ولا نسأل كيف قالها، ولم قالها، ومتى قالها؟ وإنما نتذكر معلمنا وإمامنا: «هلا شققت على قلبه»، بطاقة (لا إله إلا الله) تنقذ عبداً من لظى النيران.
فارحموا الناس جميعاً، وعاملوهم بالحسنى من مبدأ قرآنكم وسيرة نبيكم (رحمة للعالمين)، وأحبوا واخضعوا وتواضعوا لمن قال (لا إله إلا الله) وارحموهم وأكرموهم.

رئيس مجلس الإدارة: محمد داوودية - رئيس التحرير المسؤول: مصطفي الريالات - المدير العام: الدكتور حسين العموش