الصفحات
الكاملة
تيوب
الدستور
رسالة جلالة
الملك للدستور
موقع
زوار الأردن
موقع
جلالة الملكة
موقع
جلالة الملك

محمود درويش :« إنك فنجان قهوتنا الأول لا نبدأ نهارنا إلا بك.. أحببناك وأدمناك»

تم نشره في الخميس 20 أيلول / سبتمبر 2018. 12:00 صباحاً - آخر تعديل في الجمعة 21 أيلول / سبتمبر 2018. 01:31 مـساءً

عمان - طلعت شناعة
 تاليا الرسالة التي وجهها الشاعر محمود درويش في عام 2005 الى الزميل المرحوم الكاتب خيري منصور بعد فوز الاخير بجائزة أفضل كاتب مقال صحفي في الوطن العربي.
اقامت « الدستور» في حينه حفل تكريم للزميل منصور يوم 25 ايار عام 2005 حضره عدد من المثقفين والسياسيين.
 محمود درويش:
« انك فنجان قهوتنا الاول لا نبدأ نهارنا الا بك.. أحببناك وأدمناك»
عزيزي خيري
لست في حاجة الى جائزة لتعرف، ولنعرف مكانتك الخاصة والعامة في حياتنا العطشى الى الماء والكبرياء، ولكننا نحتفل معك لنصدِّق ان في وسع العرب المتعبين ان يكرِّموا احياءهم، بعدما صارت حياة المبدع تهمة يصعب دحضها في محكمة الحاقدين على الوردة. هذه مناسبة صالحة لاعادة الحياة الى كلمة محذوفة من  لسان العرب المنقح. هي كلمة  الصداقة  بين ابناء المهنة الواحدة، فهل في هذا خروج عن مألوف النميمة، وثقافة الاقصاء، وتقاليد الاغتيال المعنوي السائدة بين من لا يحبوننا الا موتى؟
ربما، ربما صار كل شيء، كالشرف، نادرا، وصار جديرا بالمكافأة من لا يضع السم في حبر صاحبه، ولا يرسم للخنجر شكل التحية.
ما لنا ولطنين البعوض، فنحن هنا حولك لاننا نحبك، كاتبا وشاعرا وصديقا، ولي منك ما لك مني: كرم الضيافة في حضرة الموهبة، ووفاء النص لسلالة النص، وعثور الغريب على نفسه في الغريب، واسبقية القراءة على كفاءة الكتابة.
لكنني اغبطك، دون ان اعلم ان كنت تغبطني، فما زالت فيك طاقة على امتصاص الليل، وفتوة هجاء لتاريخ من النوم لا يستحق غير الهجاء.
 اما انا المريض بأمل الصباح المريض هو ايضا، فأجهد نفسي في البحث عن مديح صغير لعشب لا ييأس، وعن تحية متأخرة لمن طالب الاسكندر بالا يحجب الشمس عنه، وعن احد!
ان القليل من السخرية والعبث قد يكون هو الاهانة اللائقة بالاباطرة الجدد الذين لم يكونوا تلامذة لا لارسطو، ولا ليسوع.
ولكن الاصولية لا تقاوم بالاصولية.
كما ان القليل من الالتفات الحاذق الى ما وراء الطبيعة، بين موت وآخر، قد يحمي القصيدة، من السقوط في خفة راهن ساقط، فلا تقاوم الحروب الحديثة، شعريا، الا بنقيضها.
لكن القيم الانسانية الكبرى لا تشيخ وان شاخت ادواتها. فلن تكون الحرية والعدالة والكرامة مستحثات بالية، كما يبشرنا النظام العالمي الجديد الموغل في القدم، ومثقفوه الموغلون في اوهام ما بعد الحداثة، ولن تجد الهوية الوطنية والقومية مكانها الطبيعي في سلة مهملات العولمة.
كم تبدو تقليديا، يا خيري، وانت تدافع عن حق العرب في الهواء والغنائية في الشعر، لكي لا اقول: عن فلسطينهم ووعيهم لذاتهم، وعن غد يؤجله حاضرهم الى اجل غير مسمى، وتطرده تبعيتهم الى زمن مائع، لا ماضيه يمضي، ولا مستقبله يلوح ولو من بعيد.
بين ماضويّين بلا أفق، ومستقبليين بلا جذور وهوية، يقع الحاضر في الشك والغياب. فهل اصيب احد غيرنا بمحنة البحث عن حاضر؟
لكأنك يا خيري واحد من عصبة صغيرة لا تسأل نفسها كل يوم: من انا، من انا؟ فكيف عرفت نفسك الى هذا الحد؟ ألآن احدا معافى النفس لا يسأل أمّه: هل انت حقا امي؟
ام لانك تدرك ان المبدئية الجامدة الغافلة عن استيعاب المتغير لا تعني الا المتحجر، وان البرغماتية الخالية من المبدئية لا تعني الا العدمية؟
ما لنا ولهذه الاسئلة الآن؟
فنحن هنا للاعتراف بان الصداقة ممكنة، والمحبة ممكنة، وصيانة جمرة المبادئ ممكنة. ونحن هنا لنقول لك: انك فنجان قهوتنا الاول. فلا يبدأ نهارنا الا بك. احببناك وأدمناك ولم ينج احد من عدواك.»

رئيس مجلس الإدارة: محمد داوودية - رئيس التحرير المسؤول: مصطفي الريالات - المدير العام: الدكتور حسين العموش