الصفحات
الكاملة
تيوب
الدستور
رسالة جلالة
الملك للدستور
موقع
زوار الأردن
موقع
جلالة الملكة
موقع
جلالة الملك

مقـاربــة فنيـة لجماليـات «أنــزفني مــرة أخــرى» للجنيدي

تم نشره في الجمعة 21 أيلول / سبتمبر 2018. 12:00 صباحاً

الدكتور أنور الشعر
صدرت المجموعة القصصية القصيرة جدًا «أنزفني مرة أخرى» للكاتب عمار الجنيدي عام 2016 عن وزارة الثقافة الأردنية، وتتضمن إحدى وثلاثين قصة قصيرة جدًا وشحها بإهداء يقول فيه: «وإلى كل الذين منعهم الكِبر، فلم يبايعوني.»
أما عنوان المجموعة القصصية القصيرة جدًا التي نحن بصددها «أنزفني مرة أخرى» فمأخوذ من إحدى العبارات الواردة في القصة الأولى الموسومة بـ (قلق مشروخ) إذ يقول الكاتب: «ما جدوى أن أنزفني مرة أخرى؟» فيكون الرد من ناقد منتبه لحالته فيجيبه:»حتى يظل دمك طريا بين يدي.»وفي هذا إيماء إلى أنّ الكتابة نزف من دم الكاتب وفكره وأعصابه. فما كان من الكاتب إلا أن يتحمل تبعات ما يخطه بقلمه على الورق ويقبل أن يواصل النزيف، فيقول: «يتشامخ قلقي، وأواصل النزيف.»
ومن ناحية فنية فقد وظف الكاتب عنوانًا مكثفًا مكونًا من كلمتين: اسم ونعت له: «قلق مشروخ». وقد وفق الكاتب في إسقاط ما هو مادي على ما هو معنوي، فالقلق شيء معنوي يصعب تجسيده، لكن الكاتب وصفه بنعت مادي بدلالة كلمة (مشروخ) وفي هذا صوره فنية متخيلة لاختيار العنوان.ولكن لا أدري لماذا اختار الكاتب عنوان هذه القصة»قلق مشروخ» رغم أن ما نستقرئه من بين كلماتها يشير إلى أن قلقة لم يكن مشروخًا، إنّما يتصاعد بشموخ، بدلالة «يتشامخ قلقي» فلربما كان من الأفضل أن يسم هذه القصه بـ «شموخ القلق» أو «القلق الشامخ».ووفقالكاتبفي اختيار عنوان قصته «الجرذون» التي تحمل مفارقة وهي أن الجرذون الذي كان يريد المدير سحقه إنما هو نفسه المدير الذي وسمه الموظفون بالجرذون السمين.
وجاءت معظم عناوين قصص هذه المجموعه قصيرة على شكل كلمة واحدة أو كلمتين  وهذا يتناسب أكثر مع نمط القصة القصيرة جدًا، ولم تقدم تفسيرًا أو إيحاءً مباشرًا لما سيحدث في القصة.وبشكل عام وفق عمار الجنيدي في اختيار العناوين المناسبة لقصصه مع وجود بعض التحفظات على عناوين عدد قليل منها.
وتجلت جماليات التعبير اللغوي عند عمار الجنيدي في التشكيلات اللغوية التي وظفها في قصصه بحيث جاءت متسقة مع السمات اللغوية العامة للقصة القصيرة جدًا. فقد وظف الجمل القصيرة في جل قصصه، واستخدم تركيبة الجملة الفعلية الدالة على الحركة والانتقال من حالة لأخرى بشكل سريع، فقد جاءت قصة «حالة قهر معلن» على شكل خمس جمل فعلية قصيرة تشي بسرعة الأحداث: (صلّى في الصف الأول خلف الإمام مباشرة. استعجل في الرجوع إلى بيته. خلع معطفه ولحيته المستعارة. جلس خلف الطاولة، وراح يكتب أسماء المصلين). هكذا نجح الكاتب في توصيل فكرته بتوظيف صور حركية مكثفة ومتلاحقة بعبارات قليلة. وفي قصة (حرية) عبّر الكاتب عن رؤيته بحشد عدد من الأفعال في أسطر قليلة، فقد وظف أحد عشر فعلًا: (قيل،خذ،اكتب،تشاء،ارتبك،فوجئ،استغرب، حيّر، يصدق، أخذ، عبّأ) من أصل ست وعشرين كلمة شكلت المادة الخام لهذه القصة، وهذا يتسق مع الطبيعة اللغوية للقصة القصيرة جدًا التي تعتمد على تقديم أحداث القصة بأفعال حركية سريعة في جلها للتعبير عن أحداث قد تتم في فترة زمنية غير قصيرة، فقد عكس توالي الأفعال وكثرتها حالة الارتباك التي حصلت للشاعر عندما سُمح له بالكتابة بحرية مطلقة.
كما وظف الكاتب تعابير لغوية ذات طبيعة شعرية جميلة وذلك تجسيدًا لسمة التعبير الجمالي الذي تصاغ به البنية التركيبية للجملة في القصة القصيرة جدًا.ومن هذه التعابير: في ذلك اليوم الراعد، وزمهري الغضب، وكتمت أنفاس كل الثقوب، وركضت الفصول كسلحفاة عجوز(ص20)، وبعد حفنة من الزغاريد ومكبلًا بالإحباط والحديد (ص22)، ومعلقًا في سماء الدّهشة والارتباك (ص24)، ويمدّ له مخلب المساعدة (ص28)، وفي رأسه تعربد أشباح الفشل (ص45)، ولجمت المفاجأة غرورها(ص79) ومع انبلاج شقشقات الفجر الأولى(ص88).
والطابع الغالب على التعبير اللغوي لدى عمار الجنيدي في هذه المجموعة القصصية القصيرة جدًا هو توظيف اللغة الثالثة في جل قصصه، وهي لغة فصحى تتسم ببساطة التعبير. ولم تخل بعض قصصه من التعابير الأجنبية والعامية، فنقرأ مثلًا الألفاظ الآتية: «الباص»(في اشارة الى الحافلة)، «وجاكيت الجينز» و»النوفتيه» وعبارة «ولكن على مين!» أهلين!»ولفظة «التركس» وهي نوع من لعب الورق، و»راحو الذهبات» في إشارة إلى خسارتها.وعبارة «آآآآآآآآآخ؛ نسوان الإخوة بدها توخذ حريتها بالبيت.» ولفظة «الكوافيرة» و»المارينز» كما وظّف العبارة العامية «إشطة، والنبي إشطة»‘ و» إيش يا حلوة ،بتحبي أوصلك». كما وظف الأمثال بدلالتها الشعبية المكتنزة بالمعاني والدلالات، كما في قصة (شجاعة): (( بدك ياني أصوم أصوم وأفطر على بصلة!» وهذه العبارة تتضمن المثل العامي «صام صام وأفطر على بصلة» الذي يضرب لمن ينتظر طويلًا للحصول على شيء ثمين لكنهيحصل على شيء بخس، بدلالة «أفطر على بصلة». ويكشف توظيف هذا المثل عن جانب من شخصية الفتاة في هذه القصة، إذ يشي توظيفه إلى سمة الغرور التي تتصف بها هذه الفتاة. كما وظف المثل العامي «حط راسك بين الروس وقول يا قطاع الروس» في قصة «جشع» ليكشف عن أساليب المضلّلين الذين يخدعون الناس ويوقعونهم في أخطاء كارثية باستخدام أمثال ذات طابع سلبي فيزينون الخطأ للناس ويستدرجونهم إليه. فهذا صاحب المنصب الوثير في مؤسسة رفيعة زين صديق له المضاربة بالبورصة وقال له: إن حاله حال عشرات الألوف من المضاربين مثله والباحثين عن الأرباح بنسب خيالية. وترتبط جماليات التعبير بالكم اللغوي الذي يتضمنه العمل الأدبي؛ فالرواية تقوم على تقديم تفاصيل فائضة للأحداث والشخصيات والزمكان. أمّا الشعر فيوسم بالتكثيف في الفكرة ومن ثمّ التكثيف في اللغة، وينسحب الشيء نفسه على القصة القصيرة جدًا، إذ تعتمد على تكثيف الأحداث والشخوص وتعمد إلى الحذف والإضمار. فتأتي على شكل ومضة إبداعية يلتقطها الكاتب ويجسدها فنيًّا. ويرى الكاتب والمترجم المصري عبد السلام إبراهيم صاحب المجموعة القصصية القصيرة جدًا «الملائكة لا تأكل الكنتاكي» أنّ القصة القصيرة جدًا يجب أن لا تتجاوز نصف الصفحة لأنها تعبر عن حالة شعورية مكثفة وإن تضمنت زمنًا طويلًا .ويرى الكاتب الانجليزي (إدغار ألان بو): «يجب أن لا نكتب كلمة واحدة لا تخدم غرض الكاتب».
أما الشخصيات في هذه المجموعة القصصية القصيرة جدًا، فقد جاءت متنوعة متباينة، اعتمادًا على عناصر كل قصة على حدة من حدث، وزمان، ومكان. وقد قدم الكاتب شخصيات قصصه وهم ( يفعلون)، أي يقومون بالحدث، متكئًا على أفعال تشي بالحركة والسرعة وهذا أكسب الشخصيات ديناميكية وحيوية وكأننا نراها تتحرك ما بين السطور .وقدم الجنيدي أنماطًا متنوعة من الشخصيات التي نكاد نلمحها في حياتنا اليومية، فيكثفها ويشكلها ويقدمها وهي تعمل، مما يمكنه، ومن ثمّ يمكن المتلقي من توجيه سهام نقده لها. ويشع من أسطر القصص وألفاظها وهج النقد لهذه الشخصيات والأعمال التي تقوم بها، ومع ذلك فإن عمار الجنيدي لم ينصِّب نفسه مصلحًا أو قاضيًا، فكان يقدم الشخصية أثناء الحدث (الكشف عن المشكلة) ولكنه لم يقدم حلولًا، وهذا فيه اتساق مع طبيعة الأدب ووظيفته، فالأدب يبوح، ويكشف عن المشكلات ولكن ليس من مهمته تقديم الحلول. فمن الشخصيات التي رسمها ووجه لها سهام نقده شخصية «المخبر» الذي يتخفى بزي الرجل المتدين الورع ليخدع المصلين ويسجل أسماءهم. ويقدم أيضًا نقدًا لاذعًا للأجهزة الأمنية برسمه شخصية السجين الذي أمضى أربعة أعوام خلف القضبان، وفي الساعة الأولى لممارسته فعل الحرية خارج السجن تحاصر قوات الأمن المكان وتعتقله بتهمة التحريض على تنظيم المظاهرة (قصة السجين:ص22). وفي قصة (المهمة) يرسم الكاتب شخصية الطبيب الذي يتوانى عن علاج المرضى ومساعدتهم ليتفرغ لمهمة أكثر أهمية وهي مغازلة إحدى الممرضات. وفي قصة (الفاشل) يرسم الكاتب صورة لطبيب يفشل في تشخيص حالة المريض فيعزو ذلك إلى أن الحالة غريبة ونادرة، وقد عجز الطب عن تقديم تفسير حول هذه الحالة. وهكذا، فإن الكاتب قدم شخصية الطبيب بصورتين سلبيتين أثناء ممارستهما عملهما الرسمي، وفي ذلك كشف عن جوانب الخلل الذي يكتنف هذا القطاع المهم. ويتوجه الكاتب بآلة التصوير المتحركة (السينمائية) إلى حجرة الصف في إحدى المدارس ليقدم لنا طالبًا وقع ضحية جهل المعلم وفشله في تفسير موضوع التعبير الذي كتبه ذلك الطالب. (قصة:براءة ذمة ص72)ونجح الكاتب في رسم شخصيات جمعية وهي تعمل، لكنه لم يصدر حكمًا على عملها أو يتوقع نتائج سلبية أو إيجابية لها، ففي قصة (المنقذون) يوظف الكاتب الشخصيات الحيوانية ليعبر عن رؤيته، فيقدم صورة لثلاثة ذئاب يتصارعون بشكل دموي. وبشكلمواز يقدم الكاتب في القصة نفسها شخصية جمعية لقطيع الأغنام التي تقبل بأي من الذئاب حاكمًا لها على أن يخلصها من حكم الراعي. وفي هذه القصة ذات البعد الرمزي نقد عميق للشعب الذي يستعين بالأجنبي كي يتخلص من حاكمه.
وتتمثل رؤية الكاتب العامة في هذه المجموعة القصصية القصيرة جدًا في أن المجتمع؛ أفرادًا وجماعات يمارسون أنماطًا سلوكية خاطئة تعيق عملية بناء مجتمع سويٍّ، متناسق، متناغم في أفراده وجماعاته.
هكذا، نرى أن عمار الجنيدي قدم مجموعة قصصية قصيرة جدًا، ذات نكهة أدبية خاصة، فهي وإن تعددت في موضوعاتها وشخصياتها وأحداثها، إلّا أنّها يجمعها قواسم مشتركة جعلتها تصلح أن تقدم كمجموعة واحدة متكاملة، ومن هذه القواسم المشتركة، جمالية التعبير اللغوي، والاتكاء على لحظة الاشراق الفني للتعبير الومضي عن رؤية الكاتب، والتكامل في بناء الشخصيات الاجتماعية؛ ما ساعد الكاتب في تصوير العديد من الشخصيات في سلوكات اجتماعية يشكل الكشف عنها نوعًا من الالتزام الاجتماعي الواعي لديه.كما التزم الجنيدي بالأسس الفنية لهذا النمط من الكتابة المعتمد على الاختصار، والحذف، والإضمار، وتوظيف الأفعال الحركية السريعة، والابتعاد عن الاطالة في السرد وعن التفاصيل الدقيقة التي تستهلك زمنًا طويلًا من وقت الشخصيات وجهدها، ومن وقت الكاتب والمتلقي.

رئيس مجلس الإدارة: محمد داوودية - رئيس التحرير المسؤول: مصطفي الريالات - المدير العام: الدكتور حسين العموش