الصفحات
الكاملة
تيوب
الدستور
رسالة جلالة
الملك للدستور
موقع
زوار الأردن
موقع
جلالة الملكة
موقع
جلالة الملك

سؤال العنف في فكر طه عبد الرحمن

تم نشره في الجمعة 21 أيلول / سبتمبر 2018. 12:00 صباحاً

محمد نافع العشيري  *

العنف ظاهرة ملازمة للتاريخ الانساني، لكنه أصبح في السنوات الأخيرة ظاهرة عربية بامتياز، بسبب الصاق تهمة الارهاب والعنف بالعرب والمسلمين، وتفنن وسائل الإعلام الغربية في إبداع أشكال تكرس هذا الواقع، وتفرض هذا التّصور (تقارير صحافية وبرامج وثائقية وأفلام سينمائية...)، وانسياق معظم وسائل الإعلام العربية وراء هذا التصور.

فما أسباب وأصول هذا العنف الذي يلصق ظلما وجورا بالإسلام؟ ولماذا أخفقت كل المقاربات المعتمدة لحد الآن في القضاء عليه؟ وما هو المدخل الحقيقي للحد من الظاهرة؟ هذه بعض الإشكالات التي يعالجها الفيلسوف المغربي طه عبد الرحمان في كتابه «سؤال العنف: بين الائتمانية والحوارية» الصادر عن المؤسسة العربية للفكر والابداع سنة 2017.
يرى طه أن من الطبيعي، بل من الواجب، أن يهتم الفيلسوف بسؤال العنف؛ لأنه نقيض العقل والدليل الذي هو مطلب كل فلسفة حقيقية ومصدرها الأساسي. ويرجع طه انطلاقة مشروعه الفلسفي بقضايا قريبة من سؤال العنف، خاصة في كتابه «في أصول الحوار وتجديد علم الكلام» الذي كان ينادي بطلب الخُلق قبل طلب السياسة، مما يدفع شرها، ويجنب الانسانية الوقوع في مثالبها التي تجلت في فقد الحوار وفقد الأخلاق.

يرجع طه أسباب العنف كما سنرى لاحقا بالتفصيل إلى مبدأ عام هو «حب التسيّد والتسلط». والخطير في نظره هو أن التسلط والاستبداد استطاع أن يسخر الدين نفسه لقضاء هذه الشهوة، مما جلب على هذا الدين تهمة العنف والتسلط زادت وسائل الإعلام في ترسيخها مع كل عملية إرهابية.
يتساءل طه عبد الرحمن عن السبيل إلى الخروج من هذا التسلط؟ يجيب طه بداية بالنفي لأن التسلط قائم في البشر منذ أن تسلط قابيل على هابيل، لكنه سرعان ما يتدارك الأمر بنفس الفيلسوف المتفائل الذي يرى أن قدرة الإنسان أوسع من التاريخ، وهذه القدرة هي ما تريد الفلسفة الائتمانية كشفها، متصورة عالما مثاليا لا عنف فيه هو العالم الهابيلي الذي يرفض التسيّد والعنف، متوسلة في ذلك بمفاهيم ومعان ضاربة جذورها في روح الثقافة الاسلامية والتجربة الانسانية، في مقابل عالم الفوضى والعنف المادي والنفسي والرمزي الذي يغزو العالم بأسره، عالم تنتشر فيه المادية بإطلاق، وتنعدم فيه الأخلاق ويسود فيه النفاق وهو ما يصطلح عليه طه بالعالم القابيلي.
ومن أهم المفاهيم التي اعتمد عليها تصور طه للعالم الهابيلي مفهوم الملكوت، وهو مفهوم مركزي في الفلسفة الائتمانية التي شيدها في كتابة «روح الدين». وهي فلسفة تقوم على التمييز بين عالم الملك وعالم الملكوت الذي هو عالم المواثيق بين الخالق والخلق، وخاصة ميثاق الاشهاد على الألوهية والربوبية وميثاق الائتمان المتعلق بحمل الأمانة.
ويرى طه أن هذا المفهوم لم يحظ بما يستحقه من الفلاسفة المسلمين رغم قدرته الفلسفية؛ حيث يتجاوز النظر الملكي الظاهري إلى النظر في الأسرار، ويقر بوجود عالم آخر حقيقي إلى جانب العوالم التي بناها الكثير من الفلاسفة، إضافة إلى طابعه التجريدي. فهو عالم روحي بامتياز. لهذا اعتبر طه عالم الملك مجرد ظاهر لعالم الملكوت مؤكدا الفصل الذي ساد عند المتصوفة وبعض الفلاسفة بين الظاهر والباطن، وكذا فصل العلم الحديث خاصة الفيزياء بين المادي واللامادي.
وبعد استعراض طه لأصناف ومراتب الأدوات التي يُتوسل بها لإدراك الباطن بين القائل بوحدة العقل وبين القائل برتبتين للعقل وبين القائل بوجود قوتين إدراكيتين هما القوة العقلية والقوة الوجدانية، يقترح هو تصورا جديدا يجمع بين المواقف الثلاثة السابقة جاعلا من وحدة القلب بديلا عن وحدة العقل الذي تتحقق وحدته بالتبع مادام العقل هو الفعل المميز للقلب، مقرا بتفاوت العقل وجامعا بين العقل والوجدان في موطن هو القلب، هذا القلب الذي يتصل بالنفس والروح معا. فتكون النفس بذلك وسيلة لإدراك عالم الظواهر (الملك أو الإسراء) وتكون الروح وسيلة لإدراك عالم الملكوت (الباطن أو المعراج).
وبعد أن يذكر طه بمعالم فلسفته الائتمانية ينتقل إلى الحديث عن ظاهرة العنف محاولا تطبيق هذه الفلسفة على هذه الظاهرة بِرهانين اثنين هما:

محاولة فهم ظاهرة العنف ومعالجتها.
اكتشاف القدرة التطبيقية لفلسفته التي تعتبر العنف وصفا إنسانيا خالصا، لأن الإنسان العنيف يدرك أن اتيانه لعمله تصرف مؤذ.
يرجع طه عبد الرحمن بدابة العنف إلى واقعة قتل قابيل لهابيل التي تتميز بالظلم والجهل. فقابيل كان ظالما لأنه تعدى الحدود وأوقع ألما بالمعنوف عليه، كما كان جاهلا لأنه لم يكن يعرف مآلات جهله، لكن هذا الخطأ القابيلي الأول اتسع ليشمل مجالات مختلفة؛ قانونية وسياسية واجتماعية وتاريخية، مما يصعب معه ايجاد تعريف جامع مانع لمفهوم العنف.
مما يميز تصور طه هو جمعه بين مفهومي التطرف والارهاب؛ إذ شاع في الأوساط الفكرية والإعلامية التمييز بينها على أساس أن التطرف عنف قولي، بينما الارهاب عنف فعلي. في حين يرى طه أنهما صنوان؛ اذ تعتبر الفلسفة الائتمانية القول عملا مثله مثل الفعل، فيلزم أن يكون التطرف القولي بمنزلة الارهاب الفعلي، وإن كان البعض يعتبر ذلك حرية رغم ما يسببه من أذى للآخرين بسبب طغيان سلطان الحس عندهم.
بل يذهب طه أبعد من ذلك عندما يجعل عنف القول أصلا في وجود عنف الفعل؛ إذ لا فعل إلا حين يسبقه القول؛ استشهادا بنصوص من التراث مفصولة عن سياقاتها، أو ضربا لأمثلة بواقع الظلم، أو تبشيرا بالفوز والخلاص... فتتحول هذه المعتقدات إلى فكرانية تنتج فعلا، وعليه: «فكل تطرف-أو كل تشدد-هو بالقوة إرهاب إلى أن يأتي اليوم الذي يصير فيه إرهابا بالفعل، لأن مآل التطرف-أو التشدد-أن يتنزل على الواقع، حتى لو طال الزمان».
ويذهب طه إلى أن العنف يتجاوز عالم الملك (العالم المادي) إلى عالم الملكوت (العالم الروحي)، وهو ما يسميه بالعنف الديني. وهو أشد قبحا من العنف المادي، لأنه يضيف إلى ظلم الخلق ظلم الحق سبحانه وتعالى، ويضيف إلى جهله بالخلق جهله بالحق تعالى.
فالعنيف في عالم الملكوت استوجب مبالغة في الصفة فتحول من جاهل إلى جهول ومن ظالم إلى ظلوم، لأنه يقع في نسبة الكمالات الإلهية إلى نفسه؛ إذ يوصله تشدده وغلوه إلى الاعتقاد بأنه يمثل إرادة الله، وأنه يده التي تقطع دابر الظلمة والمفسدين والمشركين، فيغدو بذلك منازعا لله في صفة الربوبية، وتتجسد فيه صفة القهر التي تدفعه إلى إجبار غيره على اعتقاد ما يريد، والعمل بما يريد. وقد أورد طه آيات قرآنية كثيرة تقابل بين صفة التجبر وبين صفات كالإصلاح والتذكير والبر.
ومن مظاهر تجبر العنيف سعيه إلى التسيد والرئاسة، ويتجلى ذلك في اختيار الألقاب المميزة كالداعية والمفتي والفقيه والإمام والأمير والخليفة... فضلا عن الكنى التي تذكر بشدة المتقدمين وبأسهم والانتساب إلى بعض البلدان... فيتقدم عنف الاسم على عنف الذات، بالإضافة إلى استثمار وسائل الإعلام والاتصال لإظهار هذا العنف والإعلام به.
ومن مظاهر هذا التجبر أيضا تكفير الناس وما دون ذلك من تفسيق وتبديع وتجريم وتضليل، وتعقب معايبهم ومفاسدهم، والتربص بهم والتجسس عليهم، لاعتقاده أن بيده معيار الحق وميزان العدل، وأن له وحده حق الولاية وحق الوصاية وحق الشهادة على الناس، ظانا أنه قد أدرك دون غيره كمال الله وكمال النصيحة.
ومن بين مظاهر التجبر التّقتيل. فإسراع العنيف إلى التكفير وتوسيعه له ما هو إلا ذريعة لإضفاء المشروعية على رغبته الدفينة في التصرف بالأرواح؛ فيطلق يده في الناس متفننا في أشكال القتل، موثقا ذلك بالصوت والصورة، غير عابئ بالأفئدة المرهفة جامعا معه جموعا من الخلق لا هي محاربة ولا هي أجرمت في حقه، لكأن العالم كله دار حرب، بل لكأن الوجود مقاتل ومسالخ.
ومن مظاهر التجبر التعذيب؛ ويتمثل في انتظار الضحايا لمدد زمنية لا يعلمون نهايتها، والامعان في السخرية منهم، وإشهار السكاكين في وجوههم، ودفن بعضهم أحياء، واتخاذ نسائهم سبايا، وإكراه الآخرين على دخول الإسلام... وهي مظاهر تكشف استهتار العنيف بسنن التاريخ، وقوانين الاجتماع، وضرورات الواقع، وتعميه عن مقاصد الشرع وأسراره. وبقدر هذا التطاول على مقام الربوبية ينال العنيف من الجهل ما يعمي بصيرته.
يقسم طه في فلسفته الائتمانية الأفعال إلى قسمين هما الأفعال الاشهادية؛ وتتضمن كل ما يعقد الإنسان عليه قلبه من التصديقات، إن ايمانا أو شعورا أو تصورا أو رأيا أو خبرا أو فكرا أو علما أو ظنا أو خيالا أو غيرها، في حين تتضمن الأفعال الائتمانية كل التصرفات والاشتغالات التعبدية والتعيشية الظاهرة والباطنة.
ويرى طه أن أفعال العنيف يمكن تصنيفها بناء على هذا التقسيم إلى أفعال اشهادية؛ تندرج تحتها أفعال كالتّربب والتّكفير، وأفعال ائتمانية تندرج تحتها أفعال كالتّقتيل والتّعذيب. ومن ثم، فإن العنيف لا ينازع خالقه في صفة الجبار فقط، بل ينازعه في ميثاق الاشهاد وميثاق الائتمان، بل يتعدى ذلك إلى قلب الأمور فيتحول عالم الملك إلى أصل وعالم الملكوت إلى فرع. ومن علامات ذلك تشدد العنيف في الدين، وإسرافه في الإيذاء.
ويذهب طه إلى أن أصول هذه المنازعة للخالق ترجع إلى فسادين اثنين هما:
1- فساد الفهم للنص؛ أي الالتزام الحرفي بالنصوص الذي يغيّب المقاصد الشرعية
2- فساد فهم الواقع بتجاهل أسبابه
لقد كان رد الفعل إزاء العنف محاولة أهل العلم وأهل السلطة التصدي له. فالأوائل عن طريق النصح والتبيين، والثواني عن طريق القوة والتهديد. لكن طه يرى أن الفشل المزدوج لهؤلاء يرجع إلى موقف العنيف المبدئي؛ إذ يتهم العلماء بعلاقتهم مع السلطة، وتخاذلهم عن أداء واجباتهم، وتساهلهم في أمر الدين. لهذا كان الاستشهاد بالآيات والأحاديث وأقوال العلماء لا ينتفع به في صرفه عن مواقفه وأفكاره، لأنه يرى نفسه أفضل منهم وأقدر على الاجتهاد في الدين، وأقرب إلى فهم حقيقته. كما لا ينفع معه استخدام السلطة لأنها تزيده اقتناعا بمظلوميته وحَقّيته، وتشجعه على نشر أفكاره تحت هذا الغطاء.
* باحث من المغرب

رئيس مجلس الإدارة: محمد داوودية - رئيس التحرير المسؤول: مصطفي الريالات - المدير العام: الدكتور حسين العموش