الصفحات
الكاملة
تيوب
الدستور
رسالة جلالة
الملك للدستور
موقع
زوار الأردن
موقع
جلالة الملكة
موقع
جلالة الملك

خيري منصور

تم نشره في الاثنين 24 أيلول / سبتمبر 2018. 12:00 صباحاً
د.حياة الحويك عطية

إدمان على المعرفة المتجددة كل لحظة، تمرد على المألوف، تعالٍ عن السائد وبحث نرجسي عن ذات تستحق النرجسية، ضجيج يوهم بعدم الالتفات الى احد، ولكن، قناع لرجل طفل لا يحتمل قلبه الاّ يلتفت اليه اي احد. حالة تستدعي الاعجاب من الكثيرين وتستدعي غيرة من نوع خاص من البعض، بعض الذين لا يستطيعون المجاراة امام من لا ينعم عليهم بمنّة التواضع.
كثيرا ما تحدثنا وكتبنا في الصراع المستعر بين الجوهري والتافه، وكثيرا ما تبادلنا الغضب واحيانا القهر ولكن مع الاصرار على عدم دخول سوق النخاسة. فمنذ بدأت رقعة الزيت تتسع في بحر الثقافة، رأينا المتنبي يدخل بلاط كافور،راينا سكاكين الغلمان تشحذ بوجه الحلاج من جديد، والنار تعود الى اوراق ابن رشد وقررنا المعركة. منذ سقط العراق وتوالت حالات السقوط ففاحت رائحة الشواء الحضاري من اسواق هذه الامة، ادركنا ان معركتنا هي اصعب من معارك العسكر. منذ فرضت العولمة تحويل المواطن الى مستهلك، وتحويل الثقافة الى سلعة، وتحويل الابداع الى براعة التسويق، ففرضت تحويل العربي الى داعشي او الى كائن يوقف شعر راسه بهلام النفط. رحنا ندور في دوامة القهر ونبحث عن اثر لثبات لا نملك ترف التراجع عنه. اتراه رحل مبكرا عندما ايقن ان الصراع يؤول بشكل او باخر الى سيادة التفاهة؟
هو كالكثيرين منا، آدم الخروج من كل ساحة ظنها جنته. كان يبحث في كل منها – عبثا- عن فلسطينه وعن حلمه الثقافي. 
خرج خيري من فلسطين ولكنها لم تخرج منه، لكنه ضنّ بحلم العودة يدمغ بختم او تاشيرة العدو. وظل يستحضر كلما تنفس دير الغصون واباه وفرسه وزوجتيه وايام العز ويتباهى – ككل الاطفال - بان امه كانت الاغلى عند الاب. الاب، الذي رسم له صورة ذكورية جبارة جعلتني اكتب ردا عليه كتابا بعنوان : « لم يكن ابي...» ( لم انشره حتى الان). ولكنني ادركت ان هذا الطفل ماخوذ بجبروت الاب – وربما بالغ فيه – تعويضا عن احساس الهزائم والضعف. ظل فلسطينيا لم يسقط يوما في لحظة تخل ولا في لحظة انعزال. لم يبدل حتى اللهجة البارزة وحرف القاف المشدد.
خرج من بغداد ولكنها لم تخرج منه، ظلت تتفجر في دمه وراسه قنبلة عنقودية لا نهاية لاجزائها، وفيضا دجلاويا لا تتسع له مدينة اخرى. عاده خيار القاهرة مهد الدراسة الاولى وايام عبد الناصر وهيكل، وجنة الخروج الثاني، اعتقد انه سيروي عطشه للبديل. جاءه الاخوان ومرسي فقرر الاّ بقاء في القاهرة.
ولكن الى اين؟ كل الابواب ضربها الصدا، وهذا العالم العربي صريع سرطان لا تتم محاصرته هنا الا ويتفجر هناك، علاجه قضاء على الخلايا والمخ والذاكرة وعدم علاجه ثوب الاعدام البرتقالي الداعشي. فكيف يوفر مرض الامة افرادها ان كانوا فعلا اولادها ويملكون جيناتها نفسها؟
هكذا يتساقط في اسبوع واحد ثلاثة من الاصدقاء، لكن خيري يظل اكثرهم استدعاءً لكلمة...كلمة تصر على ان تعلق في الحلق، حيث تغص الذكريات الثرية على مدى ثمانية وعشرين عاما، حول شخصية فريدة الثراء فلا اعرف من اين ابدا.
 اجل، عشرون عاما، والباب قرب الباب، والروح قرب الروح كما زميلان صديقان لا يجد اي منهما غضاضة في تقييم الاخر بما يستحق، ولا يجد اي منهما حرجا في كشف عري روحه امام الآخر بما يبكي احيانا ويضحك احيانا اخرى.
على الصفحات نفسها في عمان وفي الشارقة تركنا انفاسنا معا على مدى السنوات. زمالة ثنائية، الاولى من الباب الاول في الممر القديم لجريدة الدستور، الى الباب الثاني، بحيث لا يمكنني ان اصل مكتبي دون ان امر به. لا يمكنني مكانيا ولا يمكنني معنويا، فسهرة العمل لا تبدأ الا بعد حديث المكتب الاول مع صاحبه او مع رواده من زوار الملحق الثقافي. والثانية زمالة كتّاب في صحيفة الخليج الاماراتية منذ ما يقارب العشرين سنة ايضا.
مشترك غريب كان يجمعني بهذا الزميل الفريد، ان حلمنا لم يكن يوما المقال الصحافي، لكننا امتهناه. المبدع والباحث والمفكر في كل منا لا يرتوي بفسحة مقال، ولكنك من بلاد تضعك ظروف الحياة فيها حيث تريد هي.
عندما قررت الذهاب الى باريس وانا في الخمسين لاستكمال الدكتوراه، سألني الكثيرون لماذا افعل وانا كاتبة راسخة واعلامية معروفة. وحده خيري قال لي : هل تجدين على ساحتنا ما تفعلينه بما تعرفين، كي تذهبي الى البحث عن معرفة اوسع؟ قالها بغضب استنكاري شديد، كان يشكو ولا يسأل.
كان خيري رجلا تضيق عليه ثيابه فيبدلها بنزق، تضيق عليه امكنته فيبدلها بغير نزق ولا يغادرها الا بألم، تضيق عليه الساحات فيقول لي مرة : اشعر انني اقيم في غرفة مترين بمترين، كلما فتحت ذراعي ضربت بالجدران وكلما رفعت راسي صدمني السقف. لن اقول كيف سيتسع له قبر؟ بل سأسأل : ترى روحه المتمردة القلقة قد تحررت من كل الجدران والسقوف فارتاحت؟

رئيس مجلس الإدارة: محمد داوودية - رئيس التحرير المسؤول: مصطفي الريالات - المدير العام: الدكتور حسين العموش