الصفحات
الكاملة
تيوب
الدستور
رسالة جلالة
الملك للدستور
موقع
زوار الأردن
موقع
جلالة الملكة
موقع
جلالة الملك

الطيون ربيع ثان

رمزي الغزوي

الخميس 27 أيلول / سبتمبر 2018.
عدد المقالات: 1859


يبهجني أيلول المائل بجموح نحو عتبة الغيم القريب. الشهر الجانح إلى خريف يختبئ خجلاً خلف نسمات مخدوشة ببرودة الصباح والمساء. يبهجني كما لا يبهجني شهر سواه، ليس لأنه محمل باحتمال حلم مطر طري خافت يلوحُ في آخره ، وليس لأن ورقه الأصفر يتطاير كضفيرة تناغم الشرفات فحسب. بل لأني أراه يجدد فينا الحياة.
في كل أيلول يدهشني نبات مختلف، يعاكس في سلوكه الطبيعة وخريفها وترتيبها الأزلي، وأنا لا أكف عن الدهشة، ما استطعت السبيلا، فهي الحياة ومتنها، ولهذا سيفاجئني هذا النبات الأخضر اليانع كنعناع مشبع بالماء والظل وعناية ربة بيت حنونة، سيفاجئني هذا (الطيون)، وكأني أراه للمرة الأولى، إذ يعلن عن ميلاده الجريء وسط كل هذا الجفاف والتيبس.
أهلاً بك أيها الطيون، وأنت تعلن عن ربيعك البهي الخاص. أهلا بك يا هذا النبات البري المشاغب، الذي يهجم بأوراقه الممتلئة بالحياة ونواره الأصفر المكنوز  بالطيب معلنا عن ربيعه المنفرد، فيعزف مقطوعة سمفونية، تبث نسغ الحياة في أوتارنا. فأهلا أيها يا صديق المدهش!.
الطّيون نبات بريّ، ينمو بعد أن تقترب غالبية النبات البرية من موتها بسيف الصيف وحتمية الخريف. يهيج ويطرح نواره الاصفر في أيلول تحديدا، وهو يتواجد على أكتاف الوديان، وخواصر الجبال، وحمى الينابيع، حيث الرطوبة الغائرة في بطن الأرض، هو بوصلة للماء، فأينما وجدت روح الماء؛ ولو تحت الأرض؛ وجد هذا الطيون!.
والأصل هو الطيوب بالباء، وجاءت تسميته على ما أرى من الطيب، ولكنّنا قلبنا باه نوناً، لأن أجدادنا كانوا يستخدمونه في تطيين وطراشة بيوتهم القديمة، فتؤخذ منه حزمة كفرشاة دهان تغمس في (الشيد)، وهو الحجر الجيري أو الكلس، مع الطين الصلصالي الذائب بالماء، وتطلى به جدران البيوت الطينية القديمة، فتنفث عطراً وتشع طيباً لا يوصف.
فيا بوصلة الماء الخفية، ايها الطيوب اليانع في أوان الذبول والنحول، سلام عليك وعلى الأرض التي أطلعتك، لتوقظ فينا نشوة حب الحياة. فمن قال أن الخريف لا يبهج؟!، من قال أننا إذا حدقنا فيه لا نجد ربيعاً آخر. فما أبهجنا إذ نشرع نوافذنا للحياة بكل لحظاتها وفصولها.

رئيس مجلس الإدارة: محمد داوودية - رئيس التحرير المسؤول: مصطفي الريالات - المدير العام: الدكتور حسين العموش