الصفحات
الكاملة
تيوب
الدستور
رسالة جلالة
الملك للدستور
موقع
زوار الأردن
موقع
جلالة الملكة
موقع
جلالة الملك

مربي العلماء

د.حسان ابوعرقوب

الخميس 4 تشرين الأول / أكتوبر 2018.
عدد المقالات: 258

عالم جامع لمختلف العلوم والفنون، الفقه وأصوله، والعقيدة، والتفسير، والحديث، والمنطق، والنحو واللغة، وكأنه من علماء القرون الماضية من حيث موسوعية المعرفة، إنه شيخنا الأستاذ الدكتور مصطفى سعيد الخِنّ رحمه الله تعالى (1923-2008م) ربما لم يكن شيخنا –رحمه الله- معروفا عند عامة الناس، لكن الأمر مختلف عند طلبة العلم، فقلما تجد طالبا يحمل الدكتوراه في الفقه وأصوله ولم يطلع على رسالته: (أثر الاختلاف في القواعد الأصولية في اختلاف الفقهاء).
كما أن للشيخ مؤلفات كثيرة، تمتاز بسهولة العبارة وعذوبتها، وقد سألته يوما عن سرّ السهولة في كتبه ومن ثمّ حبّ طلبة العلم لها، فمنحني الشيخ السرّ بقوله: (شوف يا أخانا..أنا عندما أكتب أضع في ذهني شيئا واحدا، وهو أنني أريد أن يَفهم القارئ، لا أن أوجه رسالة مفادها أنّي فهيم، لأن هذا يسمى استعراض عضلات مو تأليف)، وكانت هذه الجملة شعارا لي في كل ما أكتب.
يمكننا أن نعتبر الشيخ أحد زعماء (مملكة الكلام) بامتياز، فهو ما إن يدخل الفصل ويبدأ بالكلام لا يتوقف حتى ينهي مدة المحاضرة وهي ساعة ونصف آخذا معها ربع ساعة إضافية وهي فترة الاستراحة بين المحاضرات. ولكن ما هو هذا الكلام الذي يتربع على عرش مملكته، التفسير، والحديث، والشعر والأدب، وقصص من حياته، وأخيرا أصول الفقه. وقد قال مرة: ( بعرف إنكم بتقولوا عني حكواتي، ولكن هذه القصص لن تجدوها في كتاب، وستنفعكم في حياتكم، أما أصول الفقه فمدوّن في الكتب، وسننهي المنهاج بإذن الله) وقد كان ما وعد، صحيح أنه لم يكن يعطي أصول الفقه وقتا كبيرا، لكن كان ذا قدرة على شرحه بأوجز عبارة، وأكثرها دلالة؛ وذلك لأنه قد هضم هذا العلم من سنين طويلة.
عندما تتلمذت على يديه كان عمره 73 عاما، ودرست عنده أصول الفقه ثلاث سنوات، وكنت أبادر لاستقباله ليتعكّز على ذراعي، وأحمل حقيبته وأسير معه إلى الفصل، ويقول لي في كل مرة: (أنا الملك وأنت حامل الأختام). وكنت أضع كأس الماء أمامه على الطاولة، فسأل ذات مرة: (من الذي يضع الماء في كل محاضرة؟) فرفعت يدي، فقال: ( يا أخانا، هل تراني ضفدعا تضع لي الماء، هل أعيش على الماء وحده، أشتهي أن تضع لي قطعة من الجاتو أو الشوكولاته، ما عندك إلا الماء). نعم لقد كان شيخنا خفيف الظل لدرجة لا توصف، حتى كان طلاب الشعب الأخرى يفتحون النوافذ ويقفون على أقدامهم صيفا وشتاء ما يزيد عن ساعة ونصف ليستمعوا إلى كلام الشيخ، وما أحلاه من كلام!
أمران كان لا يحبهما الشيخ، أن يدخل طالب بعده، وأن ينظر أحدهم في ساعته أثناء المحاضرة، لأن هذا التصرف دليل الملل، وهو لا يحب أن يكون سببا له، لذلك كنت أسترق النظر في ساعتي لأخبره بانتهاء الوقت. وفي ذات يوم قلت: (سيدي، الدكتور شهاب على الباب) حيث حان موعد محاضرته، ولكنه من أدبه مع شيخنا الخِنّ كان ينتظره حتى يخرج من الفصل، ولا يبادر بالدخول. وتكرر نفس الموضوع في اليوم التالي، فقال لي: ( شو شايفني شيطان، كلما دخلت أعطي محاضرة قذفني الله بشهاب).
كان الشيخ مربيا وليس معلما فقط، ففي قصصه وحكاياته الكثير الكثير من الحكمة التي تختصر على سامعها المعاناة في هذه الحياة. وقد انتقل الشيخ إلى رحمة الله تعالى، وهو في صلاة الجمعة، في مسجد الحسن بمنطقة الميدان في دمشق، عليه رحمة الله.

رئيس مجلس الإدارة: محمد داوودية - رئيس التحرير المسؤول: مصطفي الريالات - المدير العام: الدكتور حسين العموش