الصفحات
الكاملة
تيوب
الدستور
رسالة جلالة
الملك للدستور
موقع
زوار الأردن
موقع
جلالة الملكة
موقع
جلالة الملك

العبور النقدي من الدراسة الأدبية إلى الدراسة الثقافية

تم نشره في الجمعة 5 تشرين الأول / أكتوبر 2018. 12:00 صباحاً

د. نادية هناوي/ ناقدة من العراق
عادة ما تجبر المتغيرات الثقافية الناقد الأدبي على مواكبتها، وإلا أبتعد عن منطقة النقد ووظائفيته التحليلية الشارحة والمفسرة، ليجد نفسه وقد تقوقع في التنميط تشخيصا ورصدا، داخلا في منطقة هي أيضا نقدية، لكنها لا تعير بالا للمنهجية التي ينبغي أن تكون بالنسبة للناقد أداة يعتمد عليها، وليست غاية يصبو إليها، حتى لا يستطيع فكاكا منها، وبذلك يتخلف عن أداء المهمة المنوطة به التي من ضروراتها الاتسام بالتجدد والسيرورة.
ولا يكمن التحدي النقدي في مغادرة منطقة قرائية والدخول إلى منطقة أخرى فحسب؛ وإنما التحدي الإساس هو كيف يثبت الناقد قدرته على تجديد نفسه مطورا أدواته المنهجية، متماشيا مع متغيرات النقد بمنهجياته ونظرياته وأدواته وطروحاته بتصميم حقيقي وليس بمظهرية زائفة وبلمعان براق، يشدُّ أنظار القراء، موهما إياهم أن ما يرونه أمامهم هو جديد ومستحدث، بينما هو في الحقيقة يتدارى في المعتاد متقوقعا داخله، لتظل ممارسته النقدية موسومة بالاتباع، مشدودة إلى المجاراة في انتهاج السياقات القرائية السايكولوجية والاجتماعية والتاريخية والسيرية والانطباعية، بما يجعل سمات العرض والتقديم والتجميع بادية عليه ليكون ناقدا أدبيا في الوقت الذي يصبو فيه إلى أن يكون ناقدا ثقافيا.
ومعلوم أن أهم سمات الناقد الثقافي قدرته على التفكيك والحفر والارجاء والتأويل والتأجيل والاختلاف والتمحيص في الأثر المقروء، من باب المغامرة التي تنبذ كل صور التنميط والتحجر والاتباع كأن تجاري السياق مرتهنة بالبناء الفني منغلقة عليه أو تقف عند مؤلف النص مستجلية تاريخه وطبيعة صلاته بواقعه ومرجعيات إبداعه ومنابع تأثير التراث الانساني فيه، إلى غير ذلك من الاهتمامات الدائرة حول النص المقروء التي عادة ما تعني الناقد الادبي وتغريه بينما هي لا تعني الناقد الثقافي إلا بالقدر الذي تفتح له مسارات ما بعد نصية وميتا حولية أو ما وراء نقدية.
وهذا التوصيف النقدي الذي نضعه لممارس النقد الثقافي هو رهان عويص بالنسبة للناقد الأدبي الذي تعيقه مسيرته النمطية عن التجدد وتحرمه من التحرر.
 والسبب ثقل ما يحمله من تركة مراحل نقدية سابقة تظل لصيقة به جاثمة على كتاباته موجهة مساراته النقدية من جهة، وتغدو من جهة أخرى دليلا على فشله في مغالبتها. ومهما حاول أن يفر من قيودها، يظل عاجزا عن تطوير قابلياته وإن استعان بالمصادر ونقب في المراجع راجيا ومتأملا أن تتسم مظهريته بشيء من التجديد؛ لكن أغوار دواخله تظل حبيسة التركة النقدية التي تحاصرها بضنك فلا تتيح لها الافلات منها أو الانطلاق إلى غيرها.
وهذه إشكالية كبيرة عند كثير من النقاد الذي أوهمتهم مصادرهم الحديثة في النقد الثقافي أنهم نقاد ثقافيون غير مدركين أن ما يمارسونه بوعي وقصدية ليس من النقد الثقافي في الأعم، اللهم إلا في الظاهر الذي هو عادة ما يلمع ويبرق، وما ذلك إلا لكون عماد النقد الثقافي النزوع الفكري الغائر في العمق والمتجه نحو التفلسف الذي به تقلب الثوابت وتتهشم التابوات وتنهار منظومة الثقافة المركزية ليعاد تركيبها في هيأة جديدة لا مركزية، تشحذ الهمم وتستفز الحواس وتستنهض العزائم محرضة على التغيير وداحضة التردد ومغربلة الحقائق، ناقضة الزائف منها.
وهذا ما يجعل ممارسة النقد الثقافي معتركا للصراعات التي تتطلب تقديم التضحيات ومنازلة الانداد ومناورة الخصوم وانتهاز الفرص واصطناع الاستراتيجيات التي يبتكرها الناقد الثقافي ابتكارا والمنهجيات التي يصهرها صهرا، ليكون الناتج منهجا يتفرد به هو لوحده، ليراهن بعد ذلك على نجعاته في فض الاشتباكات وفك الاشكاليات ولملمة الخيوط وكشف المغيب والمتداري، وهو طريق شائك ما كان لرواد النقد الثقافي أن يسلكوه لولا مقدار كبير من الايثار والتباري والتحدي، مواجهين صنوفا من الامتعاض والنهر والتخوين والتآمر.
 فليس كسر قيم العقل وتحريرها من المنطقية بالمراهنة على الجنون مثلا أو اللاتاريخ أو الاحلام مع الاتسام بالتشظي والتشكيك واعتبار كل ما هو أساس ثانويا وكل ما هو ثانوي أساسيا، كل ذلك ليس بالأمر اليسير، ولهذا عدت طروحات دريدا وادوارد سعيد وفوكو وليوتار وسورتو والتوسير وهايدن وايت وغيرهم بمثابة ثورة فكرية لاقت صدى حتى صارت فتحا معرفيا مهما يشار له بالبنان.
 والسبب أنها ما كانت مجرد مظهريات توحي لرائيها أنها جديدة وإنما هي هموم كبرى غايتها الصميمية اكتشاف الحقائق والتدليل عليها، وإن شوهت تلك الحقائق ثوابت بنيت عبر قرون وزعزعت قناعات بذلت في سبيل ترسيخها مساع استغرقت عقودا من السنين.
من هنا يصبح النقد الثقافي شاحذا لممارسه كي يتغير. والمعادلة الأساس في كل ذلك متأتية من ازدواجية النظر إلى ثنائية الكوني /الانساني وهذه المعادلة التي محصلتها الحقيقة هي بغية الناقد الثقافي وموضع اهتمامه والمفاد الذي ينقطع له انقطاعا تاما ويقدم في سبيله كل ما لديه من طاقة ومعرفة ووعي.
ولا غرو أن الحقائق موجودة لكنها كامنة يقتضي الحصول عليها الحفر والاستغوار بغية كشفها واسدال الستار عنها لتبدو عارية غير متقنعة بنقاب. والانسان نفسه هو الذي جار على الحقيقة فشوهها بالاحتراب والعبودية والاحتكار. وهذا ما جعل تاريخه وحاضره ومستقبله مدلهما بالمسكوتات ومتشحا بالزيف والتشويه والافك والاختلاق، حاكما على وجوده أما أن يتسيد زعيما وإلها صنما متبوعا وأما أن يتخلق عبدا مرؤوسا وذليلا تابعا. وهذا ما ما أحال الحياة مرتعا زمكانيا يغص بالمتناقضات والثنائيات الضدية التي أشاعتها عصور سالفة أسست قواعد الأنظمة السلطوية باشكالها الشمولية المختلفة، فانتقلت من العبودية إلى الاقطاع ومن الملكية الى الامبريالية لتخلفتها اليوم الرأسمالية العالمية في صور مختلفة تمثلها العولمة والشركات المتعددة الجنسيات ومراكز الاقتصاد المتروبولية بمخططاتها المضللة ودعاياتها المريبة.
وإذا كان الرهان المنوط بالناقد الثقافي صعب المراس في المجتمعات الليبرالية والمتقدمة، فأن الحال أشقى في المجتمعات الأقل تقدما والاكثر محافظة وراديكالية، والتي قد توصل الناقد الثقافي ـ الذي لم يتمرس جيدا وتعوزه الجرأة وينقصه حب المغامرة ـ إلى أن يقع صريعا لنمطية الفكر وصنمية العقل ونخبوية القيمة التي تنميها قوالب جامدة تجاوزها زمن العلم وعافتها المتغيرات العاصفة بمختلف حقول المعرفة الذهنية علمية أو إنسانية. وإذا أضفنا إلى ذلك البعد الذاتي الذي يجعل الناقد ينوء باعباء تركة نقدية سابقة لا يستطيع التملص من هيمنتها عليه ولا يعرف كيف يتجرد من تبعاتها، فإن المتحصل تأسلب معيق، وتحجر عقيم، لن يكون للناقد فيه من خيار سوى الاتسام بكل ذلك التحصيل والتقوقع داخله.
ولن تنفع قوة المنهجيات المستحدثة ورؤاها الخصبة في كسر حدة العقم والثبات الناجمين عن مأثورية التنميط ومحتمات الاستتباع.
إجمالا نقول إن الثقافية وريثة الأدبية وخليفتها التي ستدفع بالنقد قدما نحو عالم جديد يطور فيه نفسه جاعلا منهجياته لا تعرف ركونا ولا احتذاء ونظرياته دائمة التبدل متمظهرة باللاتموضع.

رئيس مجلس الإدارة: محمد داوودية - رئيس التحرير المسؤول: مصطفي الريالات - المدير العام: الدكتور حسين العموش