الصفحات
الكاملة
تيوب
الدستور
رسالة جلالة
الملك للدستور
موقع
زوار الأردن
موقع
جلالة الملكة
موقع
جلالة الملك

إضاءة على رواية «أنيموس» لصفاء أبو خضرة

تم نشره في الجمعة 5 تشرين الأول / أكتوبر 2018. 12:00 صباحاً

عبدالسلام صالح
باقتدار وتَمكُن مُلفِتين، وبثقة، تدخل صفاء أبو خضرة عالم الرواية من أوسع أبوابها.
 «أنيموس» روايتها الأولى (صدرت حديثا عن دار فضاءات للنشر والتوزيع – عمان) التي تأخذك لعوالمك الإنسانية الداخلية، وتتلاعب بجينات وعيك وهرموناته، تعبث بك وتؤرجحك بين الأنوثة والذكورة بكل قوانينهما وطبيعتهما، تأويلات كل منهما وخصوصيته، بكل عوالمهما الداخلية بتفاصيلها، بسؤال الرواية عن الحقيقة، حقيقة الحياة وحقيقة الوجود وحقيقة كل شيء.
تأخذك بعيداً وعميقاً في بحثها في كل ما في الرجولة مرة، وفي كل ما في الأُنوثة أخرى، تسحبك بلطف،بسلاسة ويسر إلى كل ما يعتمل فيك من تناقضٍ ومن أسئلة كثيرة وحساسة تثيرها الرواية، وباحتراف تدخلك الرواية في كل ما يعتمل في روح الشخصيات من اعتراضات وجنونات ورغبات وعطش للحياة، للفهم، لوجود حقيقي معافى وليس مُمرض، عبر شخصيات مرسومة بدقة وعبر سلسلة أحداث مترابطة ومُقنعة وممسوكة بمهارة.
ولأن السؤال سؤالك كقارئ، والعالم هو عالمك، والحس هو حسك، كما هي مشكلتك ووجودك ومعضلتك، تأخذك الرواية   بكل حضورك ووعيك ومشاعرك، تعيش مع الشخصيات كل ما يحدث لها أو فيها، مشدودًا ومترقباً.
تفجر «أنيموس» الكثير من الأسئلة المسكوت عنها على المستوى الاجتماعي والفكري والديني، تترابط بشكل سلس مع أسئلة الوجود، وبجرأةٍ نادرة، تنساب « أنيموس « رغم اقترابها من مواضيع وأسئلة جريئة وتقترب كثيراً من المحظور حتى التفكير فيه.
تأخذك صفاء أبو خضرة  في رحلة ممتعة ومفيدة عبر شخصياتها وأحداث روايتها (الأولى) وتفتح كل زوايا ودوائر السرد بحسٍ عالٍ وحساسية فلسفية ولغوية وإبداعية و وجودية مُضمخة بأسئلة مركبة قادمة من وعي مُختلف، يظهر واضحاً في لغتها وقدرتها على رسم شخصياتها بدقة واحتراف سواء العوالم الداخلية للشخصية أو قدرتها على رسمها وتحريكها ورصد كل أفعالها وردود أفعالها، وتطور هذه الشخصيات مع تطور الحدث، وطرق فهمهم لأنفسهم مع الانقلابات الكبيرة والتغيرات العميقة التي تحدث لهم أو حولهم.
بلغةٍ حُرةٍ، نادرة ومدهشة، وقريبة من العقل والقلب، جاءت «أنيموس» إضافة جديدة وحقيقية للرواية الأردنية والعربية.
هنيئاً لنا  بـ»أنيموس»، هنيئاً لكل من يَعي أهمية الرواية في هذا العصر، وهنيئاً لكل من يعتبر الرواية مشروعا حقيقيا وكبيرا عليه أن يقاوم ويواجه ويخوض معارك ضارية من أجل التطور والتغيير، وأن يطرح الأسئلة، وأن ينفض الغبار عن الكثير من التخلف ويمسح الغبار الذي تراكم عبر مئات السنين فوق وعينا وروحنا وحِسِّنا ووجودنا وتراثنا الثقافي، فَغَلَّفَ الإنسانية الأصل فينا والتي جُبِلنا عليها، لكن كَم القهر والزيف والاستلاب والإقصاء والاستغلال والإرهاب الفكري والأبوية والتطرف والعنف أوصَلونا  إلى من نحن فيه، هنيئا لكل الباحثين عن الحقيقة وعن الإنسانية هذا العمل الروائي الجميل.
فرحي كبير لأن « أنيموس « هي الرواية الأولى للمبدعة صفاء أبو خضرة، وهذا ما يفرح روحي بمستقبل هذه الكاتبة التي لا أعرفها، وبأعمال روائية قادمة أكثر تطوراً وجمالاً وإبداعاً وجرأةً، تفرحني البدايات الناضجة ويسعدني من يولدون كباراً، بدايات وتضيفُ لك، وكما يقول البير كامو: «أليس ثمة ما يدعو للفخر».
بلغة سرد رشيقة، حساسة ومرهفة عند الضرورة، وسردية واثقة عند الحاجة، وبلغة جزلة عميقة مختلفة، وبنثرٍ عالٍ، استطاعت صفاء أن تقدم هذه الرواية المدهشة، وبتمكن في رسم الشخصيات وتحريكها  والتنامي مع الأحداث وتطورها،  ببناء روائي متين ومتماسك، وبالدخول عميقاً في النفس البشرية.
صحيح أن الإيقاع بدأ هادئا وبطيئا نوعاً ما  في الثلث الأول من العمل، وهذا أمر طبيعي كي ندخل في أجواء العمل الروائي، لكنه تسارع كثيراً في الثلث الأخير من الرواية.
أن نضع أو يضع القدر، الأنوثة والرجولة في إناءٍ أو وعاءٍ واحدٍ أو جسد واحد ويتركهما يتواشجان أو يتعارضان أو يتناقضان، ينفصلان ويلتقيان، يتناوبان، يكون أحدهما فلا يكون الآخر، حين تمتد يد القدر كي تعبث، ليكون الكائن مرةً رجل ومرة امرأة ، مجرد التفكير أو الاقتراب من ذلك هو نوع من المغامرة ... فعلتها صفاء أبو خضرة، هل كان ذلك تنطحاً مستعجلاً لأمر يفوق، هل كانت فكرة إبداعية، فذةً وجريئة، مجرد أن الرواية حاولت ذلك واقتربت منه وجربته، فلها مجدها، وأعتقد شخصياً أنها نجحت في أن تدخل في عقل وقلب وجسد ووجدان القارئ، تستفزه وتثيره وتثير فيه الكثير من الأسئلة، وحسب ميلان كونديرا «هدف الرواية أن تقول لك  أن الحياة لا تسير بالبساطة التي تتخيلها».
معالجة الرواية لموضوع التطرف والإرهاب لم يكن مقحماً، كما هي الموضة في المرحلة الحالية، بل كان تطور طبيعي وامتداد واستمرار لطبيعة الشخصية، وكانت معالجة موفقة، لكن ربما لو كان التعمق أكثر في مجاهيل النفس البشرية والإرهابي تحديدا لأضاف للرواية.
هذا بالإضافة للتعمق أكثر في معاني تفاصيل  الأنوثة والذكورة، كي يكون العمل الروائي أكثر قرباً وليذهب أعمق  في رصد التمظهرات والتجليات والتفاصيل لدى كل منهما.
المكان «إربد» ربما كان حضوره خافتاً بعض الشيء.

رئيس مجلس الإدارة: محمد داوودية - رئيس التحرير المسؤول: مصطفي الريالات - المدير العام: الدكتور حسين العموش