الصفحات
الكاملة
تيوب
الدستور
رسالة جلالة
الملك للدستور
موقع
زوار الأردن
موقع
جلالة الملكة
موقع
جلالة الملك

آهٍ منك يا عصرَ السحاب

د.حسان ابوعرقوب

الأحد 7 تشرين الأول / أكتوبر 2018.
عدد المقالات: 258

عصرُ السّحاب زمنٌ جميلٌ مرّ على هذه الأمة، وعاشَه أجدادُنا العظام بكلّ فخرٍ واقتدار، حتى خاطبَ فيه خليفة المسلمين العباسيّ هارون الرشيد السحابةَ بقوله: (يا أيتها الغمامة، أمطري حيث شئت؛ فإنّ خراجَك لي) ثقة بالنفس، وعظمة لا نظير لها، من خليفة عاش (44) عاما فقط ليس غير، وتسلم مقاليد الحكم عندما كان عمره (22) سنة فقط ليس غير.
أتخيّل لو أنّ مولانا أبا جعفر هارون الرشيد عاش في زماننا، بين يديه (الآي فون) وجهاز (اللاب توب) المشبوك على (الانترنت) 24/24، يعني دون انقطاع، ما الذي كان سيفعله هذا الإنسان؟ هل سيقضي ابن 22 سنة وقته يطالع المواقع الإخبارية، أو العلمية، أو الثقافية؟ هل كان سيغرّد على (تويتر) بتغريدات يخمد من خلالها ثورات الخوارج والفتن الداخلية؟ هل سيشارك من خلال (بوست) على (الفيس بوك) يهدد من خلاله (نقفور) ملك الروم، ويقول له: الجواب ما تراه لا ما تسمعه؟ هل كان مولانا أبو جعفر سيحج بالطائرة حجا مميّزًا لا تعب فيه ولا نصب، أم أنه سيظل يحجّ ماشيا عاما بعد عام؟
وعلى كل حال، لم يمت الرشيد بمعركة من معاركه، لكنه مات بسبب علة أصابتْه في بطنه، أثناء توجهه لإخماد فتنة في بلاده، حيث لم يجد المسكينُ وقتا للعلاج في الداخل أو الخارج، رحمة الله عليه.
الإمام الشافعي ولد بعد هارون بعام سنة (150هـ) وعاش أكثر منه حيث عاش (54) سنة، عمل على إنجاز ثورة فقهية، وترك مدرسة بكاملها لا زلنا نفخر بالانتساب لها. وعلى الرغم من ذلك طلبه (الرشيد) وأُحضر الشافعي من اليمن إلى بغداد مقيدا بتهمة محاولة قلب نظام الحكم، ولكن ظهرت براءته.
ولم يكن في عهد الشافعي جامعات ولا كليات ولا شهادات عليا أو سفلى، ولا درجات علمية مرعبة كالتي نراها اليوم، والتي يعجز بعض أصحابها عن فكّ بعض عبارات الشافعي. ولم يكن في زمانه مكتبات ضخمة كالتي نراها عندنا، ولا أجهزة حاسوب كالتي نجدها في كل بيت، ولا (تابلت تاب) كالتي يلعب بها أولادنا، ومع ذلك كوّن الشافعي مذهبه في عصر السحاب، بينما هارون يحج عاما ويجاهد عاما آخر. وأتخيل لو عاش الشافعي في زماننا، وعنده كل تلك الأدوات والإمكانات ماذا عساه سيفعل، ربما ألف كتاب (الأم) في يومين، و(الرسالة) في يوم واحد وهو متكئ على أريكته.
ومات الإمام الشافعي واختلف بسبب موته، فقيل: إن السبب هو الاعتداء عليه من قبل بعض المتعصبين من المذهب المالكي، حيث ضربوه بالهراوات. وقيل: إن السبب إصابته بمرض البواسير، الذي نزف منه حتى انتقل إلى جوار ربه، ومع أن عملية البواسير سهلة، إلا أنه لم يكن يمتلك تأمينا صحيا من أية درجة، فانتقل إلى رحمة الله، نوّر الله قبره الشريف.
والإمام أحمد بن حنبل، عاش في ذات العصر والزمان، وخدم الحديث الشريف بمسنده المعروف (مسند الإمام أحمد)، وقد عاش 77 سنة، أمضى منها سنتين وأربعة أشهر مسجونا بسبب فتنة خلق القرآن، التي أدرك فيها مجموعة من الخلفاء: المأمون، والمعتصم، والواثق. ولم يكن عنده موسوعات الحديث الإلكترونية الشاملة، ولم يكن عنده محركات البحث الجبارة التي عندنا كالعم (جوجل) والخالة (الدرر السنية). وأصيب الإمام أحمد بحمّى مع ضيقٍ في التنفس، ولأنه غير مشمول بتأمين الدولة التي حبسته، مات من مرضه، وانتقل إلى رحمة الله.
وأخيرا لا أجد ما أقوله إلا: آهٍ منك يا عصرَ السحاب

رئيس مجلس الإدارة: محمد داوودية - رئيس التحرير المسؤول: مصطفي الريالات - المدير العام: الدكتور حسين العموش