الصفحات
الكاملة
تيوب
الدستور
رسالة جلالة
الملك للدستور
موقع
زوار الأردن
موقع
جلالة الملكة
موقع
جلالة الملك

مثقفون يخافون الجوع

تم نشره في السبت 13 تشرين الأول / أكتوبر 2018. 02:29 مـساءً - آخر تعديل في السبت 13 تشرين الأول / أكتوبر 2018. 03:23 مـساءً
اسماء مزورة وضمائر مزيفة

عفاف مطر كاتبة وروائية

 

بعث لي صديق وهو كاتب عربي معروف في الاوساط الثقافية والفنية في بلده (إحدى البلاد العربية التي شهدت انقلاباً سياسياً في خضم ما يسمى بثورات الربيع العربي)قبل قليل نصاً، هذا بعض ما جاء فيه: " نجونا نحن من التوابيت الخشبية الطافية حول حطام السفينة الغارقة... أكره الناجحين والناجحات.... اكره المهرجانات والامسيات الشعرية والمايكات والكراسي... الخ" في الحقيقة (نرفزني كتير، وسأخبركم لاحقاً لماذا؟) سألته أولاً: هم يتعلمون ويحاولون الحياة رغم الحطام، ماذا عنك؟ ماذا تفعل غير العويل والبكاء والنحيب خلف ستار الحرب والقتلى؟ بالطبع تهرّب من الاجابة واتهمني بالهجوم عليه! اجبته أن نصوصه التي لا ينفكُّ عن نشرها، هي التي تهاجم الحياة بحجة الحرب والموت. ليس السؤال كيف نموت؟ فمن ينجو من الحرب لن ينجو من الجلطة الدماغية المفاجأة أو السكتة القلبية، أو حادث سيارة، بل هناك من يموت لأسباب اتفه من ذلك بكثير، عامل بناء يأخذ استراحة من عمله يقف تحت البناية، يشعل سيكارته فإذا بحجر تقع على رأسه من الطابق العاشر وتهشم جمجمته فترديه قتيلاً. السؤال الحقيقي هو كيف نعيش وسط كل هذا الموت؟ كيف يمكن أن نعيش إذا نجونا من قذائف الهاون والصواريخ الذكية والطائرات من دون طيار والاطلاقات النارية؟ كيف نحيا إذا نجونا من حادثة على الطريق؟ إذا امهلتنا الجلطة الدماغية أو السكتة القلبية مزيداً من الوقت؟ لقد رأينا الموت واختبرناه، لكننا نريد أن نحيا ونتعلم كيف نحيا. لا تحتاج شعوب ترزح تحت الحروب الى مثقفي البكاء والعويل والنحيب. منذ 2011 لم أقرأ كتاباً واحداً لكافكا ولا شعراً للوركا، بل قرأت كتباً عديدة لشارلي شابلن، لأحيا، حتى اتمكن من الاستمرار في الحياة، لأشعر بأنه ما زال في استطاعتي مواجهة الموت، وإذا ما فاجأني قابلته على الأقل مبتسمة. أما ما الذي (نرفزني) في الموضوع (صديقي المثقف ونصه السوداوي) ليس كم السوداوية الهائل الذي يحمله، فمن حق من يشعر بالحزن أن يعبر عن حزنه وألمه، بل النفاق الذي تحمله نصوصه! هو شخص مهذب وكريم لكن نصوصه منافقة، ربما هو لا يعلم أن ما يكتبه يندرج تحت عنوان النفاق، ففعل الكتابة فعل معدٍ مثل الأمراض، على سبيل المثال، ما أن نجح نزار قباني في شعر الغزل والمرأة رأينا كوكبة هائلة من الشعراء تجري وراء تجربته وتتبع خطاه من دون وعي منهم أو بوعي، الاثنان موجودان، وبما أنه في وقت الحروب تنتشر نصوص الموت والسجون والعذاب والاغتيالات وتنجح، فإذا بكل كتّاب العالم حتى ممن يعيشون خارج جغرافية البلد التي تحارب، نجدهم يكتبون في الموضوع ذاته، لكن النجاح الحقيقي والدائم يبقى لصاحب المبادرة الأولى، لأنه كتب بصدق وعن تجربة حقيقية وليس تقليداً للآخرين، لأنه نص جاء في لحظة ولادة وليس استنساخاً؛ وأنا لم اتهم صديقي بالنفاق لهذا السبب، ليس فقط لأنه لم يجرب الموت الحقيقي، ولا السجون، ولا الجوع ولا التشرد، بل لأنه ينتقد كل الأطراف بدون استثناء، وفي الوقت ذاته، هو ذو رتبة عسكرية كبيرة في الجيش! ونحن نعلم أن الجيوش في مثل هذه البلاد وتحت هذه الظروف تناط بها أغلب العمليات الامنية التي تتنصل من كل القوانين الدولية بحجة (الطوارئ)يستيقيظ صباحاً يرتدي زيه يذهب الى عمله باسمه الحقيقي في البطاقة، ويؤدي كل الواجبات المناطة به (ولست بجاجة لأشرح طبيعة هذه الواجبات في أي دولة من دول العالم الثالث) بكل جد واخلاص، ثم يرجع مساءً الى بيته ليكتب عن ضحايا الانظمة والحروب ولكن باسم مستعار. يكتب عن الجياع وعن الظلم وصعوبة ايجاد اللقمة التي إن وجدت فهي مغموسة بالذل، لكنه نهاية كل شهر يذهب الى الحسابات في الجيش ليستلم راتبه فيطبخ ما يشتهي ويذهب الى الحانات في أيام العطل أو يقضي فترة في إحدى المناطق السياحية، كما قضى شهر العسل مع زوجته مؤخراً في إحدى الجزر السياحية! يكتب أن الموت قاب قوسين أو أدنى، وأن الجوع والحرمان والظلم مصيرنا الذي لا مفر منه، لذا فإن الحياة لا تستحق العيش، فيما يعيش هو حياته (مية فل واربعطعش) يستأثر بالحياة لنفسه ويصدّر الموت للآخرين، ويضخ كماً هائلاً من الطاقات السلبية ويزرع اليأس في نفوس قرائه، بينما لم يحرم نفسه من لذة واحدة من ملذات الحياة. إذا استقر النظام السياسي فلا ضير عليه، وإذا تغيّر، فهو الكاتب المناضل الذي اضطر الى الكتابة باسم مستعار لانه على قائمة المستهدفين. لقد نضحت الساحات الثقافية العراقية والسورية والليبية والمصرية ...الخ  بهؤلاء الكتّاب ذوي الاسماء المستعارة والضمائر المزيفة. يعيشون في السماء ويكتبون عن الأرض التي لم تطأها أقدامهم ولو للحظة، يعتاشون في أحضان أنظمة يصفونها بالقمعية نهاراً، ويهاجمونها ليلاً. يعيشون الحياة ويعززون في نفوس القراء ثقافة اليأس والموت ويؤصِّلون في أرواحهم غريزة القتل والانتقام والثأر. أين هؤلاء المثقفين من لوركا، لوركا الذي ترك الحياة وعاش مع الغجر وجرب حياة التشرد والجوع فقط ليكتب عنهم القصائد بصدق؟ أين هؤلاء الكتّاب من بول غوغان الذي ترك الحضارة الفرنسية بكل مغرياتها وفي أوج تطورها، ورحل الى تاهيتي تلك المستعمرة النائية الفقيرة، فقط ليرسمهم بصدق، حتىامسى متشرداً فيما أصبحت لوحاته لاحقاًتقدر بملايين الدولارات؟ أين هؤلاء الشعراء من عرار الذي ترك السلك الوظيفي لانه لم ينصف الفلاحين الفقراء الذين احنت ظهورهم الديون والربا وجشع التجار؟ أين هؤلاء "المثقفين" من ضمائرهم؟ أنهم لا يخافون الموت، مثل بقية الناس التي تعيش تحت وطأة الحروب والنزاعات، هم يخافون الجوع فقط، كل ما يفعلونه فقط ليضمنوا "اللقمة" تحت كل الظروف والمتغيرات. ولا أجد من يشبههم سوى ما يسمى بـ (النشطاء السياسين) الذي ينعمون برغد العيش في الغرب، ويحرضّون البسطاء الذي لا يملكون غير سكين (السَلَطَة) الصغيرة ذلك أن أغلب المطابخ الآن خلت من السكاكين الكبيرة بعد ارتفاع اسعار اللحوم، لمواجهة الدبابات والطائرات بحجة المقاومة. ليت الاداور تتبادل لنرى من فيهم أصدقُ عملا؟

رئيس مجلس الإدارة: محمد داوودية - رئيس التحرير المسؤول: مصطفي الريالات - المدير العام: الدكتور حسين العموش