الصفحات
الكاملة
تيوب
الدستور
رسالة جلالة
الملك للدستور
موقع
زوار الأردن
موقع
جلالة الملكة
موقع
جلالة الملك

أب سبعيني يعاني ألم القلب وابن أربعيني مشلول وابنة مقعدة

تم نشره في الأربعاء 17 تشرين الأول / أكتوبر 2018. 12:00 صباحاً

جرش - حسني العتوم
لم اكن اعلم ما سيصادفني وانا عائد ليلا بطريق أتيته على غير عادتي في الطرق التي عادة ما اسلكها ، كانت الساعة تشير الى العاشرة ليلا وانا عائد الى منزلي من إحدى الطرقات التي تصل بين بلدتي سوف وساكب، مكان مرتفع يأبى الا ان يكون كل ما فيه على مستوى هذا الارتفاع ولذلك سمّوه جبل « ابو رويس» وكذلك سمي لانه كالرأس في الجسد فحين ترتقيه تجد ان كل الأشياء من حولك صغيرة لذات الارتفاع ، وفي ذات المكان وعلى نفس الطريق كانت المفاجأة الاولى حين رأيت جسدا يتحرك على الأرض حبوا وأخال ان شعر راسي قد توقف وبكامل قوة قدمي ضغطت على الفرامل لأتوقف تماما ترجلت من سيارتي واتجهت صوب الجسد المتحرك ومن هنا تبدأ الحكاية .
بداية الحكاية
والحكاية بداناها من باب الدكان حيث احمد الرجل السبعيني يجلس أمام دكانه وإبريق الشاي والكأس أمامه والذي يسمع كلمة دكان يظن ان فيها بضاعة بمئات الدنانير الا ان تلك الدكان كانت على غير كل التوقعات، دكان فيها سحاحير وكل موجوداتها لا تتجاوز حدود الخمسين دينارا طرحت عليه السلام فرد بأحسن منها جلست وكانت نظرتي الأولى الى محتويات الدكان التي هي عبارة عن اكياس من الشيبس للأطفال وبعض مستلزمات التنظيف ، لتبدأ عناصر القصة تظهر بكل خيوطها وتفاصيلها التي لا عنوان لها الا الصراع مع الالم وكبت الحزن والصمت صبرا ولا تجد على الألسنة الا « الحمد لله والتوكل عليه» .
وكان السؤال الفضولي حول حصيلة المبيعات من الدكان، ومن غير تردد اخرج السبعيني احمد من جيبه قطعة نقود من فئة العشرة قروش وحمد الله وألحقها بسكون مطبق تقطها بعض الحشرجات في الصدر والتي تنبيك عن قصص وحكايات أخرى عن هذه الأسرة التي جثا عليها الفقر بأنيابه حتى باتت كأشلاء ممزقة ، فلم يعد أمامهم الا الصبر والقبول بتفاصيل الحياة حتى يقضي الله امرا كان مفعولا .
قصة جهاد
وماذا بعد القصة الأولى ذاك الجسد الممد بجانبه سألته عنه فقال انه ابنه « جهاد « وتعود حكايته لأكثر من أربعين عاما حيث كان المولود الأول لهذه الأسرة وهو ذات الشخص الذي رأيناه  يحبو على قارعة الطريق ،  فمنذ الولادة كان لسبب او لآخر  لديه نقص في مادة الأوكسجين ما أدى الى اختلال في خلايا الدماغ وشلل نصفي أصبح معه عاجزا عن الوقوف تماما ولم يبق أمامه الا ان يتعامل مع تلك الظروف القاسية الى يومنا هذا ،  ولم يتوقف الأمر عند هذا الحد فقد عاثت فيه تقرحات الجلد فعلها وترى تلك التقرحات قد نهشت جسده واذابت اصابع قدميه ، والأم هناك والاب يتابعان ويرقبان الحالة ويقدمان ما بوسعهما من مساعدة لابنهما الذي تجاوز عمره حدود الأربعين ولم يعودا قادرين على فعل أكثر من التحسر والآلام التي راحت تعصف بهم طيلة هذه السنين ، فما كان منهما الا ان توجها الى التنمية الاجتماعية ليحصلا على راتب شهري له بقيمة 50 دينارا تتوزع بين العلاجات والحاجات الإنسانية  والأكل والشرب ولأنه لا يستطيع السيطرة على نفسه فان كل ما يقدم اليه من طعام يأكله كثيره او قليله ، ليبقى يسبح بهذه الحياة حيزه غرفة يسكنها مع والديه وانين يستمر طوال الليل من الم التقرحات التي زاد حجم البعض منها عن فتحة الفنجان .
تلك المساحة التي يتنقل فيها جهاد من غرفة تؤويه الى الشارع وبقالة أبيه والعودة وكل ذلك زحفا على الركب ما ضاعف من حدة التقرحات التي يواجهها في الركب ، وهكذا تستمر حياة جهاد ، وسط نظرات الإشفاق والحزن المسكونين في قلب الوالدين وهما لا يستطيعان توفير مستلزمات طبية له او حتى جراء نقله الى مركز العيادة فتلك معاناة لا يعلم بها الا الله وتلك الاسرة .
سوسن المقعدة
والى هنا لم تنته القصة فهناك حكاية أخرى تعيشها هذه الأسرة مع شقيقة جهاد ...سوسن تلك المرأة الأربعينية أيضا الأرملة المقعدة حيث أصيبت بشلل نصفي منذ عام 2013 اقعدها عن الحركة لتعيش فصلا جديدا من حياتها مع المعاناة والألم والحاجة في غرفة كل ما فيها يحكي قصصا من المعاناة التي تعيشها هذه المرأة، وحين بدأت الحديث معها لم يكن لها طلبات لتحسين غرفتها التي جاهد والدها لبنائها لها لتعيش فيها وعمل بعض المحسنين على سقف جزء منها بألواح الزينكو إنما لاذت بصمت مطبق بحثا عن إجابة ولعل الخجل بمثل هذه المواقف يحول بين ذكر الحاجة التي تتمنى لو تتوفر لها وترى فيها ضربا من الخيال وبعد صبر على الجواب امتد لوقت طويل وبعد تردد ، قالت كما ترى لكل إنسان حاجة إنسانية.  فقالت كما ترى انني لم اعد اقوى على الحركة والشلل أقعدني عن قضاء حاجتي بنفسي ما يتطلب استخدام الفوط لقضاء تلك الحاجة الإنسانية، وان ما أتقاضاه من التنمية الاجتماعية وقدره 45 دينارا  لا يمكنني من شراء او توفير تلك الحاجة الإنسانية وحتى الكرسي المتحرك الذي جاد به احد المحسنين عليها لم تتمكن من استخدامه لعدم ملاءمته لحركتها حين يقوم احد أفراد الأسرة بمساعدتها للجلوس عليه ناهيك عن حاجتها الى العلاجات التي عادة ما تضطر لشرائها من القطاع الخاص لذات السبب  .
اب وام يواجهان المتاعب
والقصة لم تكتمل بعد فالأب السبعيني هو الآخر الذي يواجه وزوجته كل تلك المتاعب أصبح هو الآخر بحاجة كما تشير التقارير الطبية الى عملية قلب مفتوح لانسداد بعض الشرايين الرئيسة في القلب ما يزيد من ملحمة تلك الأسرة وعراكها وصبرها مع الحياة والتي تتفاقم كل يوم عن الآخر .
وفي البحث عما تملكه تلك الأسرة فهو عبارة عن منزل فيه اثنان من الأبناء متزوجان فيما بقيت غرفة أخرى للأب والأم ولجهاد وغرفة جانبية لابنتهما سوسن المقعدة  وتلك الدكان فلا ارض ولا عقار الا الصبر والانتظار لساعة فرج على هذه الأسرة .
وأمام كل تلك الألوان من المشاهد المؤلمة لسوسن وجهاد تقف الام صابرة محتسبة تدفع الأذى عن ابنها وابنتها بكل ما بقي لها من قوة واحتمال وكأنهما ما زالا طفلين ولدا للتو ، وتلك هي الحلقة الأخيرة لحال هذه الأسرة وما تواجهه من مصاعب الحياة التي أرهقت كل فرد فيها وحمّلته أحمالا فوق كل قدراتهم وإمكاناتهم المادية والجسدية .
وهكذا تكتمل الحكاية بالنسبة لنا لكنها حكاية مستمرة لأسرة تصارع الحياة بكل صنوف العوز المدقع الذي يجعل منها حالة تغلق بابها على نفسها وتحتمي بالصبر تمتد لعقود خلت على أمل ان تكون هناك ساعة فرج، اللهم اشهد أنني قد بلغت .

رئيس مجلس الإدارة: محمد داوودية - رئيس التحرير المسؤول: مصطفي الريالات - المدير العام: الدكتور حسين العموش