الصفحات
الكاملة
تيوب
الدستور
رسالة جلالة
الملك للدستور
موقع
زوار الأردن
موقع
جلالة الملكة
موقع
جلالة الملك

اغتيال مؤسساتنا الوطنية

د.حسان ابوعرقوب

الخميس 18 تشرين الأول / أكتوبر 2018.
عدد المقالات: 101

أرسل لي أحد الأصدقاء نكتة، وهذا نصها: (شاب راح لعند شيخ..قلو: يا شيخي، أمس بالغلط فتحت على قناة ...، وإلا حاطين عارضات أزياء بلباس البحر، شو كفارتها؟ قلوا: بدك تتفرج على القناة الأردنية مدّة أسبوع) وختمت الرسالة بوجوه ضاحكة.
قد يبدو الأمر عاديا، مجرد نكتة للتسلية، لكنني لا أراه كذلك، لأنها تغتال مؤسسة وطنية مهمة، والأمر يحتمل أن يحمل هذا العمق، بوعي أو بغير وعي، ربما يظنّ البعض أنني سرَحْتُ بعيدا، وأنني أسيرٌ لنظرية المؤامرة، والأمر ليس كذلك، بل إنني مؤمن بما قاله أحد الغربيين: (في السياسة لاشيء يحدث بالصدفة، فإذا ما حدث شيء، يمكنك أن تراهن بأنه كان مخططاً له أن يحدث بذلك الشكل).
طالما كانت النكت وسيلة لشرح الواقع أو نقده أو الاستهزاء به، فلننكت في الحياة دورها، وممن أدرك هذا الدور بعض الرؤساء العرب الذين كانوا يحرصون على  سماع آخر النكات التي يطلقها الجمهور العريض عليه وعلى حكومته الرشيدة، وكذلك كانت بعض السفارات الأجنبية تحرص على تجميع آخر النكت ودراستها وتحليلها، بل واستئجار بعض مطلقيها. يقول صلاح نصر، رئيس جهاز المخابرات العامة المصرية الأسبق في كتابه الحرب النفسية، معركة الكلمة والمعتقد: (إنه من الغريب والمخزي وجود سفارة أجنبية في القاهرة تستخدم النكات كوسيلة من وسائل الحرب النفسية وكأن بها قسماً خاصاً وظيفته خلق الشائعات وترويجها في شكل نكات، ويساعدها في ذلك شرذمة من الخونة والمأجورين).
قد تكون النكتة سلاحا يطلقه الأعداء لمهاجمة الروح المعنوية للشعب، كما قد تكون وسيلة لزعزعة الثقة بين المجتمع ومؤسساته الوطنية، والهدف تمزيق المجتمع، ونشر جوٍّ من التشكيك والتخوين، فتطفو موجة عدم الثقة على السطح، وعندها تسهل السيطرة على هذا البلد. والدليل أن الرئيس المصري الأسبق جمال عبد الناصر، قد طلب من الشعب وبشكل مباشر التوقف عن ترديد بعض النكات، باعتبارها سلاحا للعدو، وأن تداولها يحقق أهداف العدو بنشر روح اليأس وتثبيط العزيمة، وكان ذلك بمناسبة الاحتفال بمناسبة مرور 15عاما على ثورة 23/يوليو/1952م.
وفي الدول التي يُضيَّق فيها على حرية الرأي والتعبير، وتنعدم فيها المنابر الحرة، تطلق النكتة كمرآة للواقع المرّ من فقر وبطالة وقمع سياسي، فتكون الطريق السهل لانتقاد السلطة، والطريقة السهلة للهروب من مقصلة الرقيب. لكنها عند تداولها تعمل عمل المخدّر أو المهدئ، فتكون نوعا من تنفيس الشارع المحتقن، ففيها تعبير وتنفيس.
وربما يطلق الناس النكتة بهدف الترويح عن النفس، ويتداولونها على هذا الأساس، وتتكرر معانيها مرارا وتكرارا، حتى ترسخ معانيها في الأذهان، وتصبح حقيقة عندهم غير قابلة للنقاش، بل قد يستدلّ بها بعضهم لإثبات رؤيته ونظريته، فللنكتة قوتها وحضورها.
ثم لماذا يتمّ إقحام الشيخ في هذه المهزلة، لماذا لا يكون أي شخص آخر، لماذا خُصّ الشيخ بهذه النكتة؟ لهذا أثره، وهذا الإنسان الذي خالف وجاء ليقدّم اعترافه للشيخ، علما أنه يمكنه أن يتوب بينه وبين ربه، فلا يحتاج عندنا إلى اعتراف أو صك للغفران. وبعد الاعتراف قدّم سؤاله السخيف، ثم جاء جواب الشيخ أكثر سخافة، بل حمل فتوى شرعية بأن مشاهدة التلفزيون الأردني عقوبة تفرض على العُصاة من الناس، وهل هكذا يتوب الإنسان؟
التلفزيون الأردني مؤسسة وطنية، وشاشة آمنة للعائلة، قد حققت مؤخرا قفزة جيدة وتطورت، ونتمنى لها المزيد من التطور حتى نراها الشاشة الأولى في بيوتنا، والمنافسة صعبة، وتحتاج إلى الدعم الكامل، فالإعلام سلاح علينا استثماره في كل معاركنا السياسية والثقافية و النفسية والاجتماعية.

رئيس مجلس الإدارة: محمد داوودية - رئيس التحرير المسؤول: مصطفي الريالات - المدير العام: الدكتور حسين العموش