الصفحات
الكاملة
تيوب
الدستور
رسالة جلالة
الملك للدستور
موقع
زوار الأردن
موقع
جلالة الملكة
موقع
جلالة الملك

حقيقة الصورة: لنمـر بن عدوان أم لخليل خطار سـركيس

تم نشره في الجمعة 19 تشرين الأول / أكتوبر 2018. 12:00 صباحاً

محمد حنون
تم مؤخرا تداول بعض الصور القديمة بالأبيض والأسود و أخرى بلون «السيبيا» على أنها الصور الحقيقية للشاعر الأردني نمر بن عدوان، وكذلك صورة أخرى، المرفقة مع مقالتي هذه، على أنها للشاعر نمر مع زوجته وضحى، وهي الصورة الأكثر استخداما وانتشارا ونسبة للشاعر وزوجته.
تتبعت نشر هذه الصورة في الصحف والمواقع العربية بوصفها صورة نمر بن عدوان وزوجته وضحى، فوجدت بأن ذلك  قد بدأ تقريبا منذ ظهور مسلسل نمر بن عدوان في العام 2007 في نسخته الجديدة، وهو من بطولة الفنان الأردني الراحل ياسر المصري والفنانة الأردنية صبا مبارك. وكثر تداول ونشر الصورة نفسها مؤخرا مع رحيل الفنان ياسر المصري، الذي لعب دور الشاعر نمر بن عدوان، بحادث مفاجئ في الأسابيع القليلة الماضية، حيث نُشرت هذه الصورة في صحف ورقية ومواقع عربية إخبارية إلكترونية وكذلك في مواقع عربية إلكترونية عامة في سياق الحديث عن رحيل ياسر المصري، وعن الدور الذي لعبه لشخصية الشاعر نمر بن عدوان.
لم يكن من الصعب تحري حقيقة هذه الصورة والتأكد من القول إنها الصورة الحقيقية للشاعر نمر بن عدوان، فمع ما هو متوفر من تقنيات حديثة لتقصي الصور والمعلومات، أصبح الأمر يسيرا وفي متناول اليد. إلا أن العلة لا تكمن في غياب آليات وتقنيات البحث؛ وإنما في غياب الذهنية والمنهجية الإستقصائية عند بعض العاملين في المجال اللإعلامي العربي الورقي والإلكتروني؛ وإستسهالهم لنقل المواد وما يصلهم من معلومات وصور وأخبار فوتوغرافية دون تدقيق أو تمحيص. فلقد كان من الممكن التأكد من نسبة هذه الصورة للشاعر نمر بن عدوان من خلال أمرين، أحدهما المقارنة بين تاريخ وفاة الشاعر وتاريخ نشأة التصوير الفوتوغرافي، أما الأمر الآخر فهو من خلال تتبع الصورة نفسها والبحث عن أصولها التاريخية وأول ظهور لها في التاريخ لمعرفة هوية الذين في الصورة وتاريخ إلتقاطها!

 اختراع التصوير الفوتوغرافي
ما بين العامين 1825-1826 نجح الفيزيائي والمخترع الفرنسي نيبس بإنتاج وتثبيت أول صورة فوتوغرافية في تاريخ الفن الفوتوغرافي على قطعة معدنية مصقولة، ولم تكن الآليات الأولى والنتائج الأولى ، على الرغم من نجاحها التقني، لم تكن عالية الدقة والوضوح، فقام نيبس وشريكه الرسام والفوتوغرافي الرائد داجير بالعمل على تطوير العملية كيميائيا حتى العام 1830 وهو العام الذي يمكن إعتباره رسميا عام إختراع الفوتوغراف ، إلا أن نيبس توفي في العام 1833 قبل إكمال وإتقان العملية الكيميائية، إلا أنه أرسى قواعدها، وكان موت نيبس بعد 7 سنوات من إنتاج أول صورة ناجحة وثابتة على الرغم من رداءة حدتها ووضوحها، وإستمر داجير من بعده وحقق أول آلية إنتاج فوتوغرافي واضح وعالي الدقة في العام 1839 وأطلقه بشكل تجاري واسع، حيث توصل لعملية كيميائية فنية وذلك بتثبيت الصورة على سطح من صفيحة نحاسية مصقولة بفضة حساسة للضوء، ويتم تظهير الصورة بتعريضها لبخار الزئبق. وكما قام داجير بتطوير آلية عمل الكاميرا والعدسة الزجاجية التي ساعدت في إنتاج صور أكثر وضوحا ودقة.
على ضوء هذه المعلومات التاريخية البسيطة في نشأة الفوتوغراف والتي تتوفر على الإنترنت؛ والتي يمكن لأي صحافي أن يحصل عليها، فيدرك بأنه من المستحيل أن تكون هذه الصور هي الصور الحقيقية للشاعر نمر بن عدوان وزوجته وضحى، بل وحتى أنه من المستحيل أن تكون هناك أية صور لهما بالمطلق. فالشاعر نمر بن عدوان توفي في العام 1823، وقبله زوجته وضحى بسنوات، أي قبل أن يُخترع التصوير الفوتوغرافي بثلاث سنوات، وقبل أن يتم إتقان إنتاج صورة فوتوغرافية بهذا الوضوح كالذي نراه في الصورة بـ 16 سنة !

 حقيقة الصورة الفوتوغرافية
ظهرت هذه الصورة لأول مرة في التاريخ في العام 1893 ضمن نشرة لتغطية معرض ومهرجان العالم الكولومبي في مدينة شيكاغو من العام نفسه، وذلك في الذكرى الـ 400 لإكتشاف كولومبس للعالم الجديد، وهي سلسلة تعنى بالعلوم والفنون والثقافة في العالم بعنوان « دريم سيتي « السلسلة الـ11، والتي تنشرها «شركة ثومبسون للنشر». والمدهش في الأمر بأنه قد وُثق في هذه التغطية بأن الصورة قد تم إلتقاطها في المهرجان نفسه وفي مدينة شيكاغو، وهذا يعني بأنه ليس في أي بادية عربية، فكيف تكون هذه العائلة البدوية متواجدة في مهرجان عالمي في مدينة شيكاغو الأمريكية في العام 1893؟ 
تعود الملكية الفكرية والفنية للصورة لمتحف العلوم والصناعة في شيكاغو، فهي موثقة في سجلاتهم وقد نسب تصويرها للمتحف نفسه، دون أن يذكر إسم مصورها. طبعت من هذه الصورة نسخ أصلية قليلة، ووُزعت ما بين نشرة ثومبسون وأرشيف جامعة شيكاغو، وكذلك بيعت بعض النسخ لأفراد، وذكر في نشرة ثومبسون بأن الذي في الصورة هو « خليل سركيس، محرر صحيفة لسان الحال البيروتية، برفقة زوجته خلال المهرجان، مع إبنهما الرضيع الذي وُلد في شيكاغو وتم تعميده فيها» وقد لبس خليل سركيس وزوجته الأزياء والحلى والثياب العربية البدوية، بالإضافة لإتكاء سركيس على سيف عربي فيما هو يدخن من النارجيلة أو يمثل بأنه يدخن من النارجيلة حيث يظهر رأس النارجيلة فارغا من التبغ والجمر. خليل خطار سركيس، مؤسس صحيفة «لسان الحال» و»المطبعة الأدبية» و»مجلة المشكاة» منذ العام 1877 في بيروت. كما أن وثيقة أصلية وجدتها في مكتبة جامعة شيكاغو الإلكترونية وتعود للعام 1893 مرفقة مع نسخة أصلية للصورة؛ تؤكد على المعلومات نفسها وتضيف بأن « خليل سركيس محرر صحيفة لسان الحال كان مديرا  للعرض العربي في مهرجان شيكاغو في العام 1893 تحت عنوان ( وايلد إيست) « أي ما يمكن ترجمته في سياق المعنى المنشود بـ « الشرق البري» وقد يترجم كذلك بـ « الشرق الجامح» في ذات سياق المعنى. وتذكر الوثيقة نفسها بأنه « كان من ضمن هذا العرض بعض الخيول العربية والفرسان العرب، وكذلك صناع السيوف العرب، وبأن هذا العرض كان كارثة مالية، وقد عانى أعضاء العرض العربي من البدو الفرسان وصناع السيوف من نقص في الطعام وما يحتاجونه من لوازم لتحقيق العرض، ما إضطر خليل سركيس أن يبيع الخيول ليتمكن من تحمل تكاليف العودة لبيروت».
بهذه المعلومات، حول تاريخ نشأة الفوتوغراف وتاريخ وفاة الشاعر نمر بن عدوان، ومن حيث تتبع تاريخ الصورة وظهورها لأول مرة في العام 1893، ومن حيث المعلومات الموثقة حولها وحول ملكيتها الفكرية والفنية ومناسبتها، وكذلك من  حيث هوية من فيها، يمكن القول يقينا إن الصورة ليست للشاعر نمر بن عدوان وزوجته وضحى لا من قريب ولا من بعيد، بل وكما أسلفت بأنه لا يمكن أن يكون هناك صورة فوتوغرافية للشاعر نمر بن عدوان كونه توفي قبل إختراع الفوتوغراف بسنين طويلة. أن تنسب الصورة لنمر بن عدوان، ليس فيه مغالطة تاريخية فنية فوتوغرافية وحسب، بل أيضا فيه هضم لحق الصحفي والأديب اللبناني خليل خطار سركيس، وطمس جانب من تاريخ نشاطه الثقافي والفني حول العالم والذي يظهر مع معرفة حقيقة الصورة!
* فوتوغرافي فلسطيني - أردني / بودابست

رئيس مجلس الإدارة: محمد داوودية - رئيس التحرير المسؤول: مصطفي الريالات - المدير العام: الدكتور حسين العموش