الصفحات
الكاملة
تيوب
الدستور
رسالة جلالة
الملك للدستور
موقع
زوار الأردن
موقع
جلالة الملكة
موقع
جلالة الملك

النظرية الأمرية والنظرية القصدية

تم نشره في الجمعة 19 تشرين الأول / أكتوبر 2018. 12:00 صباحاً

منتصر حمادة


اعتبر طه عبد الرحمن أن النظريات الأخلاقية الإرادية [نسبة إلى الإرادة الإلهية] اختلفت باختلاف نظر هذه الأطروحات إلى تبعية الأخلاق للأوامر الإلهية، فهذه التبعية عبارة بين طرفين، واشتغل بالتحديد على نظريتين من المجال التداولي الغربي الأمريكي؛ تعود الأولى للفيلسوف الأمريكي روبرت أدامز [ازداد في 1937 وتوفي في 1996]، بينما تعود الثانية لفيليب كوين [ازداد في 1940 وتوفي في 2004].
1 ـ اشتهرت النظرية الأولى باسم «نظرية الأوامر الإلهية»، أو اختصاراً «النظرية الأمرية»، حيث حدّد هذا الفيلسوف علاقة تبعية الأخلاق للأوامر إلا بكونه عبارة عن مطابقة بين طرفين، بين الأخلاق والأوامر الإلهية، بمعنى آخر، الأخلاق هنا هي عين الأوامر، حيث اتخذ أدامز من المنكر مفهوماً أصلاً فرّع عليه عدة مفاهيم، وجاء بتعريف اصطلح عليه بالتعريف الأمري، ومرادفه أن المعروف هو عين موافقة أوامر الإله الودود.
أبدى طه ملاحظتين، مع التركيز على تعريف المنكر:
ــ أن هذه المطابقة بين الأوامر الإلهية والأخلاق، ليست تحليلاً دلالياً للفظ المنكر، وإنما هي بيان لطبيعة المنكر.
ــ أدخل أدامز في وصفه قيداً معرفياً هو الودود، واصفاً به الإله تحت تأثير تراثه العقدي، والداعي على ذلك، هو دفع بعض الشُّبَه التي وردت في تعريف سابق للمنكر، غير أن ذلك لم يصرف عن هذا التعريف المُقيد [أي وصف الإله بالودود]، اعتراضاً آخراً، هو أن قيمة الود متى أضحت مُستقلة عن قيمة الأمر الإلهي نتج عن ذلك أن القدرة الإلهية ليست مطلقة، وهذا ما لم يمكن قبوله (أشار طه حينها إلى أن هذه التفاصيل تقف وراء اشتغال أدامز لاحقاً على تطوير نظريته).
اجتهاد روبرت أدامز في النظرية الأمرية تعرض لبعض الانتقادات الطهائية، وتوقف المحاضر عند آفتين اثنتين: أولهما تشبيه الصلة بالإله بالاجتماع البشري، (ومرد ذلك مُعتقد التجسيد وخلق الإنسان على صورة الإله، عند المسيحية)، حيث غال أدامر في تشبيه الأمرية الإلهية بالأمرية الإنسانية؛ والآفة الثانية تجزيئ تقسيم الصفات الإلهية، لأن أدامز لا يعتبر كمالات الصفات الإلهية كونها تنزل مرتبة واحدة، وإنما يُفرق بين رُتبها ولوازمها ويقدم ثلاث قيم أساسية، وهي الود والخير والعدل.
2 ــ نأتي للنظرية الثانية، وهي النظرية القصدية للأوامر، وصاحبها هو فيليب كوين، ويرى أن النزاع في مسألة المنكر والمعروف ينبغي حسمه لا على مستوى ظاهر الأوامر، وإنما على مستوى باطن الإرادة الإلهية التي هي من وراء هذه الأوامر، وباطنه هو القصد، فوضع نظريته الأخلاقية التي اشتهرت بالقصود الإلهية أو «النظرية القصدية»، وبناها في صورتها النهائية على تفريقين أساسيين: التفريق بين معنيين للقصد وهما المعنى العام والمعنى الخاص (يتجه القصد العام إلى كل الحقائق الأخلاقية، سواء كانت ضرورية أو غير ضرورية، بينما لا يتعلق القصد الخاص إلا بالحقائق الضرورية)؛ ثم التفريق الثاني بين القصد الإلهي السابق والقصد الإلهي اللاحق (المراد بالقصد السابق هو أن يقصد الإله أن يأتي المُكلف الفعل ولم يُمارس هذا المُكلف اختياره في ممارسة هذا الفعل، في حين أن المراد بالقصد اللاحق، هو أن يقصد الإله كل ما يتصف بالفعل، بعد ممارسة المكلف باختياره)، معتبراً أن القصد الإلهي للفعل هو السبب في وجود صفته الأخلاقية، فلا وجود للمنكر إلا بوجود تحريمه، ولا وجود للمعروف إلا بوجود قصد إلهي بإيجابه.
هذا التشويش الذي قد يطال المتلقي من فرط تفرعات النظرية القصدية، والسياق التداولي المرتبط به، اقتضى من المحاضر تمرير تعريف أقرب إلى التداول العربي الإسلامي، مفاده أن المنكر [عند فيليب كوين] عبارة عن الفعل الذي يجعل سابق القصد الإلهي منكراً، أما المعروف، فعبارة عن الفعل الذي يجعل سابق قصد الإله معروفاً، ليتوقف بعدها عند بعض الملاحظات، أهمها أن ما حصل مع «النظرية الأمرية» أنها قزمت الصفات الإلهية ولو أن صاحب التعريف (كوين) يرى أن تعريفه أفضل من تعريف أدامز صاحب «النظرية الأمرية».
وعلى غرار الوقفة النقدية الطهائية مع «النظرية الأمرية»، أورد المحاضر بعض الآفات التي سقطت فيها «النظرية القصدية»، ولخصها في آفتين اثنتين: أولها أن هذه النظرية وقعت في تشبيه شؤون الإله الباطنة بالأحوال النفسية للإنسان، إذ حملها الانتقال من الإرادة الإلهية للقصد الإلهي على الخوض في الباطن الإلهي نَاسِبة للإله العقل والانتقاد كما يُنسبُ للإله، بل الأدهى من ذلك، يضيف طه، فتحت هذه النظرية، الطريق لنظريات أخلاقية أخرى تقول بما تُسميه بـ»الحياة الذهنية للإله»، تشبيها للحياة الذهنية للإنسان رغبة وانفعالا وسخطاً، وظلت هذه النظريات تتنافس على تحديد الحالة التي تميز الحالة الذهنية المزعومة. فنجد منها «النظرية الاعتقادية» و»النظرية الوجدانية» و»النظرية الرغبانية» و»النظرية التعليلية»؛ أما الآفة الثانية، فتكمن في وقوع «النظرية القصدية» في تجزئة الأفعال الإلهية، من قبيل أن الإرادة الإلهية عند أتباع هذه النظرية، إلى قسمين، إرادة التكليف وإرادة التقييد.
بعد فراغه من عرض مضامين هذه النظريات، اعتبر طه أنه لا بد من نظرية تدفع مُجمل هذه الشبهات والآفات المرتبطة بها وتدفع الاعتراضات التي وردت على هذه النظريات، وبالتحديد «النظرية الأمرية» و»النظرية القصدية».
في إطار الاشتغال النقدي والتقويمي على النظريتين سالفتي الذكر، ولأن الأعمال الأخيرة لفيلسوف الأخلاق اشتغلت بالتحديد على «النظرية الائتمانية» أو قل «الفلسفة الائتمانية»، فقد انطلق من هذه النظرية تحديداً، قصد تقويم اجتهادات روبرت أدامز وفيليب كوين، ومعلوم أن خصوصية النظرية الائتمانية، تكمن في وجهيين:
ــ أنها تصل بين روح التّديُّن وروح التفلسف، فروح التدين عند المحاضر هو «الإحسان»، وهي التي توجب انتقال المتكلف من ظاهِر الأعمال إلى باطنها؛ محولاً إلى آيات التكليف لا مجرد الاتصاف بالأشكال الشرعية؛ أما روح التفلسف فتكمن في «التفكر»، ورتبة التفكر فوق رتبة التفكير، إذ يوجِبُ التفكر انتقال العقل من ظاهر الأشياء إلى باطنها، جاعلاً من هذه الأشياء آيات تكوينية لا مجرد ظواهر طبيعية.
ــ أما الوجه الثاني الذي تتميز بها الخصوصية الائتمانية، هي أنها تستثمر في الأصول معرفة هذه الآيات التكليفية الآيات البعيدة للميثاقين الملكوتيين الذين أخذهما الحق سبحانه وتعالى على الإنسان، وهما «ميثاق الإشهاد» و»ميثاق الأمانة».

رئيس مجلس الإدارة: محمد داوودية - رئيس التحرير المسؤول: مصطفي الريالات - المدير العام: الدكتور حسين العموش