الصفحات
الكاملة
تيوب
الدستور
رسالة جلالة
الملك للدستور
موقع
زوار الأردن
موقع
جلالة الملكة
موقع
جلالة الملك

عائلة الرابي.. الاحتلال يغتال الفرح

تم نشره في الأحد 21 تشرين الأول / أكتوبر 2018. 12:00 صباحاً

سلفيت - محمـد الرنتيسي
للفرح في فلسطين، معانٍ كثيرة، تتجاوز كل المخاطر التي تحف حياتهم، غير أن فرحتهم باتت تستفز شهية القتل لدى المحتل، الذي باتت أدواته القمعية تشكل بُعداً آخر، للقضاء على كل مناسبة يجدون فيها مساحة للفرح.. إنهم قتلة، يغتالون اللحظات السعيدة، ويقتلون الفرح، وقد أثبتت حكاية عائلة الرابي، صحة وسلامة هذا المنطق.
في بلدة بديا قرب مدينة سلفيت، شمال الضفة الغربية، وعلى «مرمى حجر»،  إنقلبت لحظات الفرح إلى حزن عميق، عندما أقدم غلاة المستوطنين المتطرفين، على قتل المواطنة  عائشة الرابي (45) عاماً، بينما كانت تسلك طريق العودة مع زوجها، من زيارة لإبنتهما المتزوجة في مدينة الخليل، في خضم تحضيرات العائلة،  لزفاف إبنتهما الأخرى، التي كان مقرراً زفافها بعد أيام.
ليست هذه الحادثة، الأولى من نوعها لدى عائلة الرابي، ولسيت عائشة شهيدة العائلة الوحيدة، إذ سبقها إلى المصير ذاته، وفي الظروف نفسها، شقيقها فوزات، الذي استشهد برصاص الاحتلال، في يوم زفافه، قبل 19 عاماً، وتحديداً في الثاني عشر من أيلول العام 1999، إبان الإنتفاضة الأولى «إنتفاضة الحجارة»، أثناء توجهه إلى مدينة رام الله، لإتمام طقوس الزفاف.
المشهد ذاته يتجدد، ويتكرر في بيت العائلة، فعائشة، كانت تعدّ لزفاف إبنتها «سلام» عندما عاجلها مستوطنون من عتاة التطرّف، بحجارتهم، التي انهمرت صوب مركبة زوجها يعقوب الرابي (52) عاماً، أثناء عودتهما إلى بلدتهما، بعد يوم حافل بالفرح واللحظات الجميلة.
كان المستوطنون المتطرفون، يعربدون من على تلّة، تطل على الشارع الرئيس، قرب مستوطنة «راحيل» القريبة من حاجز زعترة جنوب مدينة نابلس، عندما هاجموا المركبات الفلسطينية المارة بالحجارة، لتكون عائشة، الأم لثمانية أبناء، ضحية لإجرامهم.
ابنتها راما (9) سنوات، التي كانت برفقة والديها، أثناء تعرضهم للإعتداء الإجرامي، أصيبت بصدمة نفسية كبيرة، دفعتها لترديد عبارة واحدة على لسانها: «أمي ماتت»، بينما كانت تتجوّل في أرجاء المنزل، وهي تمسح الدماء عن هاتف والدتها، رافضة إعطاءه لأحد.
زوج الشهيدة، قال: «كنّا في زيارة لابنتنا في مدينة الخليل، ذهبنا لإحضارها، حيث نحضّر لعرس ابنتنا، وبعد أن تجاوزنا مفترق بلدة الساوية، وبالقرب من مستوطنة «راحيل» سمعنا صوت صراخ باللغة العبرية، وإذا بحجر كبير إخترق الزجاج الأمامي للمركبة، وأصاب رأس زوجتي، ولم أعرف أنه أصابها في البداية، لأنها لم تصرخ ولم تصدر حتى مجرد صوت واحد.. نظرت إليها ووجدتها قد فارقت الحياة على الفور، كان رأسها مملوءاً بالدماء التي سالت غزيرة على وجهها».
كانت عائشة أكملت تعليمها وهي في بيت زوجها، إذ نجحت في امتحان الثانوية العامة، ودرست الإدارة في جامعة القدس المفتوحة، بينما سعت بكل جهدها لتعليم بناتها وأبنائها فخرج منهم المهندس، والصيدلانية، وطبيبة الأسنان، وللشهيدة، أربع بنات متزوجات وهن: أنسام، وسام، لميس، ربى، وسلام التي كان من المقرر زفافها بعد أيام، إضافة إلى الصغيرة راما، ومحمـد الذي يدرس الهندسة في الأردن، وأحمد في الصف العاشر.
كان من المفترض أن تكون عائشة «أم العروس» فحرصت في أيامها الأخيرة، على تزيين منزلها بالورود وأحبال الزينة، وقد أكملت تجهيزات ابنتها سلام بكل ما يلزم، قبل أن تزفها عروساً إلى بيت زوجها، غير أن الاحتلال، الجاثم كصخرة كبيرة على صدور الفلسطينيين، أحال أجواء الفرح، إلى فاجعة، فعادت الأم إلى منزلها شهيدة، لتنثر سلام وأخواتها، الورود ذاتها على جسدها المسجى، في مشهد أعاد إلى الأذهان، شقيقها «العريس الشهيد» الذي شيعه أبناء بلدته في «زفّة» مهيبة، وبدلاً من أن يقولون: «روّحت يا عريس على دار السلام» كما تقول الأهازيج الشعبية الفلسطينية، في زفّة العريس، كانوا يردّدون: «روّحت يا شهيد على جنات الخلود».

رئيس مجلس الإدارة: محمد داوودية - رئيس التحرير المسؤول: مصطفي الريالات - المدير العام: الدكتور حسين العموش