الصفحات
الكاملة
تيوب
الدستور
رسالة جلالة
الملك للدستور
موقع
زوار الأردن
موقع
جلالة الملكة
موقع
جلالة الملك

قبطانٌ متقاعد

تم نشره في الاثنين 22 تشرين الأول / أكتوبر 2018. 12:00 صباحاً

  هناءبنت علي البواب

ذاك طريق وصل به إلى أعلى وعاد به في حيلة دائرية إلى نفس المكان، ولحسن حظه أنه وصل هنا... واتكأ على مقعد واتخذه بيتا يمارس عليه طقوس حياته لمدة لاتقل عن ثمان ساعات متواصلة، أعرفه من رجفة في القدم، كما كأن هذه الأرض تقسو على من يحبون الشمس، أو من هم في حاجة للدفء بانتظام، إذ أنه لفرط حظه لم يجد سوانا يحتضن قلبه المنكسر، وذاكرته المجعدة الممتلئة بالوجع، وقد يشبع جسده بالحرارة الكافية لأن يبقى تحت درجة تجمد نحو دهر بارد، دون أن يتجمد ذلك أن ممارسة الحلم جرم مشهود على حياة يحاول أن يتمسك بها.
ربما قارب على الثمانين من عمره، لكنه بقلب رطب طريّ يحب الحياة، حاول أن يكون مشاكسا ليلفت الأنظار، حاول أن يتقرّب ممن حوله، حاول كثيرا أن يقرأ لهم مما يحفظ من شعر عربي ليثبت لهم أنه مثلهم، ولكنه كان خارج دائرتهم باستمرار إلى أن اتخذ من ذاك المقعد متكأ له...
تراه فتشعر وكأنه نحت لفنان من صخرة عملاقة، وأنت تنظر له يذكرك بتنهيدة الجدة حين فلقت فتور الحيرة وتنعى مسيرة عُمر خضّه الصبر وصرعه الرجاء
قال لي صديقي: أشعر وكأنه قبطان متقاعد... فضحكنا، ولكني رأيت فيه شيئا مختلفا...
يحتاج الكثير من البحث والتأمل فهو ظاهرة غريبة من الصمت والهدوء والصبر على من حوله.
سيترك مكانه بقية أيام ونِتَفٍ من ليال سنفتقدها به.
همس لي أحدهم: سيموت هنا في المكان، فصرخت به لا أريد أن يكون ذلك بيينا، فلن يحتمل قلبي رحيل صمته الذي بات مفروضا علينا.
سيرحل ويترك لنا ليلا مبللا بالأحلام، سنستمع لصدى حكمته في صمته وهدوءه. 
فمثله يبحث فقط عن جلّ أحلامه الضائعة على الطرقات، يحمل في قلبه مدنا، ينقلها معه، قدماه تتحولان شجرتي صفصاف، وأعينه محجر طير،ونافذة لريح
قلبه متحف للفن القديم، وصمته معتَقَلق للأبد.
فقد كان الزمن بخيلًا، وثقيلًا عليه كمنديل أرملة يرشحُ دمعا ملحيا فوق ضباب العمر.
فقد فَتَحَ في صدره بوابات نحاس، وأروقة معتمة يعرفها هو فقط.
  سيقول التاريخ كان يوما ما  و نحن ما نفتأ نحلم بأن نكون يوما ما.

رئيس مجلس الإدارة: محمد داوودية - رئيس التحرير المسؤول: مصطفي الريالات - المدير العام: الدكتور حسين العموش