الصفحات
الكاملة
تيوب
الدستور
رسالة جلالة
الملك للدستور
موقع
زوار الأردن
موقع
جلالة الملكة
موقع
جلالة الملك

أصحاب المشكاة

رمزي الغزوي

الثلاثاء 23 تشرين الأول / أكتوبر 2018.
عدد المقالات: 1959


العصافير قصيرة العمر، ليس لأنها صغيرة الحجم، بل إن قلوبها كبيرة وسريعة، تنبض بحب التحليق والعلو، وعشق السماء الزرقاء، وتزقزق مناغية هذا الوجود الرحب، بصدق وتخرج أنفاسها من شغاف القلب، فلا عجب أن تموت سريعاً.
وكذلك الكلمة، فإن كانت من القلب نابعة، فإنها للقلب تصل، أما إن كانت من طرف اللسان، فلن تتجاوز الأذن، تماماً كالشعر، لا تكون كهربائيته عالية صاعقة، ومغناطيسيته جاذبة، ما لم يخرج من سويداء القلب!.
أبو تمام (حبيب بن أوس الطائي)، صاحب القصيدة الأشهر في فتح عمورية، كان شاعراً مجدداً، ينحت من صخر، تجيش كلماته سحراً، وتنبض صدقاً، ولو كان مدح السلاطين يعتريه أحياناً بعض الرياء!.
هذا الشاعر المقتدر، مدح ابن الخليفة أحمد بن المعتصم، ولي العهد، مدحه في قصيدة سينية شهيرة تقطر روعة، مطلعها (ما في وقوفك ساعةً من باس/ نقضي زمام الأربع الأدراس)، هذه القصيد دبجها، وحككها، وضبطها، وألقاها في حضرة ابن المعتصم، وكان فيلسوف العرب الكندي (أبو يوسف يعقوب) حاضراً!.
ولما وصل الشاعر إلى قوله (نور العرارة نورة، ونسيمه/ نشز الخزامى في اخضرار الآس/
أقدام عمرو في سماحة حاتم / في حلم أحنف في ذكاء إياس).
الكندي التمعت في نفسه نوازع الغيرة والحسد، وأراد النيل من أبي تمام، فقال متهكماً: ما صنعت شيئاً، يا ابن أوس، فقد شبهت ابن أمير المؤمنين، وولي عهد المسلمين بصعاليك العرب، ومن هؤلاء الذين ذكروا، وما قدرهم؟. هو يعني عمرو وحاتم وإياس والأحنف.
بالطبع فكان معروفاً عن شاعرنا سرعة البديهة، وجودة القريحة، فأطرق أبو تمام ساكتاً للحظة يسيرة، ثم قال مرتجلاً: لا تنكروا ضربي له من دونه/ مثلاً شروداً في الندى والباس/ فالله قد ضرب الأصل لنوره/ مثلاً من المشكاة والنبراس.
  وهذا إقناع شديد، وافحام عتيد للكندي، فقد قال له، بما معناه، إن الله ضرب لنوره مثلاً أقل تمشياً مع الآية الكريمة (مثل نوره كمشكاة فيها مصباح، المصباح في زجاجة). والمشكاة هي كوة في الجدار يوضع بها المصباح.
  أبو التمام كان سريع البديهة، حاضر الذهن، متقد الخاطر، استطاع أن يفحم فيلسوف العرب، الذي قال عندما خرج أبو تمام من المجلس: هذا الفتى قليل العمر، لأنه ينحت من قلبه، وسيموت قريباً.

رئيس مجلس الإدارة: محمد داوودية - رئيس التحرير المسؤول: مصطفي الريالات - المدير العام: الدكتور حسين العموش