الصفحات
الكاملة
تيوب
الدستور
رسالة جلالة
الملك للدستور
موقع
زوار الأردن
موقع
جلالة الملكة
موقع
جلالة الملك

زمن يجيء بعدك يا بديع

رمزي الغزوي

الأربعاء 24 تشرين الأول / أكتوبر 2018.
عدد المقالات: 1794


في تراثنا العربي الأحمر، أن بديع زمان الهمذاني، الأديب الأريب صاحب المقامات الشهيرة، دفع ثمن تمرده، وسخريته من أهل عصره وسادته، دفعه بالصاع الوافي الكافي الشافي.
فهم لم يقربوا له لحماً، أو عظماً، أو دماً، ولم يخرقوا ثوباً له، بل دفنوه حيّاً بكامل أحلامه، وأسقامه وأوجاعه، وشتات أفكاره وأمنياته. ولما فتحوا قبره بعد حين؛ وجدوه جالساً مسنداً رأسه بيديه، عابساً كأنه ينتظر موتاً أكثر رأفة.
فهل كان خفيفاً رأسك حتى احتملته هشاشة يديك؟، أم تراك يا بديع، أعدت البصر كرتين؛ فانقلب إليك المبنى والمعنى، وأيقنت ألا شيء كان يستحق أن تقارع جدران صوّان الضنين بقرون الطين.
هل جاء في أمّ بالك، أن لا شيء يوازي أن نحترق احتراقا يذرنا رمادا مالحا يهطل في شقوق الجروح؟ وينثرنا هباء على سبخات الطريق؟. هل كان في بالك ألا شيء يعادل أن يموت الواحد في قبر يضيق مع كل شهيق؟، هل كان في نفسك، ألا شيء يتاخم أن تنطفئ معتماً وأنت منير؟. 
هل تمنيت يا صاح، لو أنك لم تقرب الحمى يوما، أو حمى الحمى، أو حتى أنك ما واريت في الكلام، وكنيت عنه، واستخدمت تغريد الطير، ولسان الحيوانات، وخلطت بين الهزل بالجد؟. هل آمنت يا سيدي، أنك ما كنت ترجح أنملة في كفة ميزانهم. لا رأسك الذي تحمله الآن في راحتيك، وإنك لم تكن شيئاً عند هيلمان السلطة وصولجان النفوذ؟
هل تمنيت لو كنتَ سارح غيم بريٍّ، في دنيا الله، تسيح وتستريح، أو كنت درويشاً يماشي عكازه العجوز في عثرات الدروب؛ علّه يهتدي إلى قرية لا تنالها يدّ أو تدركها عين، يجللها الهدوء السقيم والخمود.
أما تمنيت لو أنك تجول البراري والفيافي، لا يعرفك أحد، وأنك لم تدخل يوماً معمعان الورق والقلم والأفكار والتغاريد. أم تمنيت وأنت تغرق في عتمك، لو كنت فلاحاً ممسوساً بلوثة فرح، غداؤه رأس بصل يدقه بقبضته، ويمضي نهاره مرندحاً مواويله للأشجار وظل الأطيار.
يا بديع. من أين لك أن تعرف ما حل في زمن يجيء بعدك؟. زمن يذرنا قهراً في قهر. زمن يريد منك أن تبلع لسانك، وحصانك، وحبرك وقلمك وقلبك ودماغك، وتبتسم لأضواء الكاميرات ببلاهة القرود.
هذا زمن بتنا نبحث فيه عن مقهى يقدم لرواده صحوناً زجاجية بيضاء؛ يقذفون بها الجدران الصماء، ليفرغوا أسقام كبتهم، وأحزانهم. زمن يعرف أن لا قيمة لمعنى أن تفكك إنساناً وتسقط في بركة ندم يوما ما. زمن كان عليك يا بديع، أن تتوخى فيه شائكات الأسلاك.

رئيس مجلس الإدارة: محمد داوودية - رئيس التحرير المسؤول: مصطفي الريالات - المدير العام: الدكتور حسين العموش