الصفحات
الكاملة
تيوب
الدستور
رسالة جلالة
الملك للدستور
موقع
زوار الأردن
موقع
جلالة الملكة
موقع
جلالة الملك

حادثة «البحر الميت» توحد مشاعر الأردنيين

تم نشره في السبت 27 تشرين الأول / أكتوبر 2018. 12:36 صباحاً
امان السائح


أكاد أجزم أن الأردن لم يغمض له جفن مساء الخميس، واقسم أن عيون أمهات الأردن أيضا لم تجف ألما ووجعا، وكأن الفقدان في بيوت الجميع، وكأن تشييعا لجثامين خرجت من كل بيت، فالأطفال والآلام والبيوت طافوا بحرقتهم ودقوا بيوت الأردنيين بابا بابا، لتذكرهم بأن الله حق، وبأن كل الأطفال هم أبناء الوطن باسره..
نتجاوز مسؤولية من الآن، فالفقدان أكبر من البحث عن المسؤوليات وقلوب الأمهات الفاقدات وعيونهن التي لا تدير عجلتها إلا لتنظر إلى وجه ابنها الذي غاب بوداع مؤقت، بأن انتظريني يا أمي فلن تغيب شمس هذا اليوم إلا وسأعود لاحدثك عن ما حصل في رحلتي المدرسية ولم يدرِ أنها ستكون رحلة الغياب الأبدي، لا زالت عيون الأم تنظر إلى هنالك إلى باب المنزل لعل أحمد أو ليث أو يارا أو أي اسم لا على التعيين سيعود محملا بالغبار وأثر التعب والفرح، ويعود إلى حضن امه مجددا..
غاب ملائكة الطفولة، وصعدوا إلى أعلى السماوات، بحرية وفرح وما زالت صرخاتهم- والمياه تعيث بأجسادهم اليافعة، ينادون بالنجدة لانقاذهم- تدوي في آذان ذويهم، وهم يشعرون بالاسى..
هل نتساءل كيف ولماذا؟ ومن أين سيأتي الثبات والصبر بفقدان هؤلاء الملائكة الكبار بفرحهم وحبهم للحياة، وتعاطيهم مع الحدث بكل أجسادهم وقوتهم، الصغار بأعمارهم ومستقبلهم الذي لم يبدأ بعد، وبأحلامهم التي دفنها طوفان ماء أطاح بكل دقات قلوبهم وابتساماتهم وأجسادهم الغضة ووجوههم التي تعلوها الضحكات وبراءة الأيام .. إنهم غابوا واقتلعوا من بيوتنا جميعا ..
ما حدث محزن وخطير مقلق بكل المعاني لكنه، وحد مشاعر الشعب بأكمله وجعل الوجع واحدا والحب واحدا والدمعة واحدة، وجعلنا جميعا امهات لهم والرجال أباء لهم، والأبناء إخوان وأخوات لمن غابوا، انه الحدث الوحيد والاكثر وجعا وقلقا الذي وحد الصف، ووحد إشارة الريموت كونترول للتقليب على المحطات بحثا عن معلومة، الحدث الذي جعل الحزن موحدا وبتكافؤ واحد باننا جميعا نبحث عن معلومة إضافية تثلج القلب بناج، وبأن المعلومة عن وفاة هذا الطفل اكذوبة واشاعة غير مصدقة .. انه الحدث الذي جعل قلوب الاعلاميين وعيونهم على كل المحطات الفضائية تبكي وتصرخ وتسخط وتجعل الرجل يبكي قبل المرأة، فهو الحدث الجلل الذي ابكى رجال الاردن واخرجهم عن طورهم وتماسكهم الفطري..
الحدث الذي ادمانا واحرقنا من الداخل والخارج، وشل تحركاتنا، وجعل عائلاتنا تصغر لتصبح بحجم أسرة واحدة بأب وأم واحدة وسقف واحد ودمعة واحدة..
جميعهم توحدوا قلبوا معادلة التقصير والمسؤولية على طاولة البحث وصرخوا بصوت واحد ان اصبروا وتماسكوا وان ما حصل قضاء وقدر، وان الحياة تستمر وفقا لمقاييس الايمان والقوة، وان الحياة مفعمة بالاخطار والتحديات وعلى أطفالنا ان يؤمنوا بأن الرحلات ستستمر، وبأن أصدقاءنا الذين بقوا هم من سيعوضون من فقدوا، وبأن الملائكة الصغار الذين غابوا هم شفاعة ذويهم عند رب العالمين .
وقعت الحادثة الاكثر ايلاما وقسوة وقهرا والتي مر بها الاردن عبر سنوات طويلة، وكل قلوبنا مدماة بسواد الحزن والدعاء بالصبر لأهلهم، الحادثة وقعت وتركت جيشا من الحزن في قلوب الاردنيين جميعا، ولا بد أن تمضي سنوات لتخفف من حدة هذا الالم والبشاعة، لكنها اكدت وتؤكد هذه اللحمة الحقيقية والتكاثف الفعلي، والهم الشعبي المشترك، والدموع التي اقتلعت من عيون امهات الاردن ولم تتوقف.
حادثة أوجعت وقتلت أرواحا لا ذنب لهم إلا البحث عن الفرح لكن قضاء الله وقدره وقع..
وهذا هو رد الوطن ووقوفه إلى جانب ذوي الذين غابوا من الشهداء والمصابين ومن فقد حتى الآن.

رئيس مجلس الإدارة: محمد داوودية - رئيس التحرير المسؤول: مصطفي الريالات - المدير العام: الدكتور حسين العموش