الصفحات
الكاملة
تيوب
الدستور
رسالة جلالة
الملك للدستور
موقع
زوار الأردن
موقع
جلالة الملكة
موقع
جلالة الملك

نريد جبهة عاطفية

رمزي الغزوي

الأربعاء 31 تشرين الأول / أكتوبر 2018.
عدد المقالات: 1955

لا يبقى في الوادي غير حجارته. هكذا يقول مثلنا الراسخ. أما المظاهر (البرانية) العابرة، والمواقف السهلة اللحظية، التي تحمى وتبرد بسرعة، والتجييش الحاشد، وعد العصي المسكوبة على الظهور، والتهويش والفزعات كلها ستسيل وتضمحل وتغيب. ولن تبقى سوى المشاعر الحقيقية النابعة من القلوب الصادقة التي تدرك معنى الفقدان وتقدر قيم الإنسانية.
ما زلنا حتى اللحظة تحت هزة حادثة البحر الميت الأليمة وارتداداتها. وقد رأينا وعشنا وعايشنا كيف داهمتنا سيول وأودية أشد وطأة وعنفاً وتكسيراً من ذلك السيل الذي أبتلع أبناءنا وأحبتنا. عانينا سيولاً لا تظهر إلا عند كل محنة والنقمة، لتبدأ ببذر روح الكراهية والعداء والتخوين. عانينا سيولا من المشاعر السلبية المتأججة، مما ضاعف حجم أحزاننا وأوجاعنا وكدسها.  
بعد أيام قليلة سيبدأ الشعور بالفقدان والغياب لدى المكلومين المجبورين الذي خسروا أحبتهم واصدقاءهم وزملاءهم. فالموت لا يؤلم الموتى، إنما يؤلم ويوجع ويخنق الأحياء ويعذبهم. ولهذا قلنا من لحظتها: يا ناس لا توغلوا في نكء الجراح وحرثها وبذرها ورشها بالزجاج المبروش. لا توغلوا في الإعلاء من شأن السلبية، فهي الموت مرتين.
الأردن ربما كله بكل بحاجة اليوم إلى نوع من التطبيب النفسي، والمأساة والمداواة، بحاجة إلى مراهم البلسمة. فمصابنا كان جللا. وقد كنا نحتاج للين والتسامحة والتسامي أكثر من حاجتنا إلى اظهار وجه الباحث عن الانتقام والباغي تعليق المشانق ومداوة الموت بالموت.
    قد كان أولى لو أننا خففنا الوطأ قليل على أديم الوجع وسجادته. ولم نمنح الفرصة لأؤلئك الذين يتخذون من كل مصائبنا وأوجاعنا فرصا مواتية للهجوم والانقضاص على الدولة والحكومة والناس والطبيعة. فمع الأسف بعضنا قساة حد الصخر، وأشد أحيانا. لا مهادنة ولا ترو، دائما مثل قنابل موقوته، جاهزين للانفجار مع أية شرارة.
فكم أوجعتني مثقلا حالة التشفي التي ظهرت عندما انصدع قلب مديرة المدرسة المكلومة. نعم هناك أخطاء، ولكن هذا لا يمنع من انها إنسانة لم تقصد الإيذاء، أنها أم، ومربية ومعلمة انصدع قلبها على هذا الفاجعة. فماذا سيفيدنا لو أننا علقنا مشانق لكل متهم أو مخطئ وصببنا جام غضبنا عليه. هل كان هذا سيعيد واحدا ممن خسرناهم. فقط دعونا نأخذ العبر والدروس.
اليوم أنا مع أن نشكل جبهة عاطفية داخلية عريضة، تقف صفا واحدا عند كل ملمة ووجع، وتسندنا كي لا ننهار عاطفيا، وكي نتسامى إنسانيا عن الصغائر. ولتبث روح الدعم النفسي والعاطفي فينا وفي المكلومين، فهم اليوم يحتاجون ذلك أكثر من وقت الأزمة التي أذهلتهم. 

رئيس مجلس الإدارة: محمد داوودية - رئيس التحرير المسؤول: مصطفي الريالات - المدير العام: الدكتور حسين العموش