الصفحات
الكاملة
تيوب
الدستور
رسالة جلالة
الملك للدستور
موقع
زوار الأردن
موقع
جلالة الملكة
موقع
جلالة الملك

أسراب اللاجئين وسرابهم

رمزي الغزوي

الأربعاء 7 تشرين الثاني / نوفمبر 2018.
عدد المقالات: 1978

ما زال عالقاً في شبك ذاكرتي ذلك المشهد الحميمي الإنساني الراقي، في الضاحية الجنوبية لبيروت الحبيبة، عقب العدوان الإسرائيلي الغاشم 2006م. سيدة في أواسط عمرها، تنصب شرشفاً خفيفاً؛ ليكون خيمةً تستظل بها فوق ركام يرتفع عدة أمتار.
وحين نصعد إليها، تقلب كفيها في الهواء، وتحشرج بدموع مدرارة: هذا بيتي، أترونه؟ أنتم لا ترونه أبداً. أنا وحدي أراه وأحس به. إنه هنا، هنا كان بيتي وحياتي، وما زال هنا، وقد عدت إليه، ولن أفارقه، حتى وهو حجر مركوم، أو غبار مبثوث. 
يومها تذكرت الطيور المهاجرة التي لربما تبتعد آلاف الكيلومترات عن موطنها ومسقط روحها، ولكنها حينما تؤوب بعد رحلات شاقة، تهبط إلى ذات أعشاشه، حتى ولو كانت أثراً بعد عين، أو كانت منتهكة بالمطر والريح. للبيوت أرواح تسكن أصحابها وتتغلغلهم، وهي بوصلة تهديهم، وتمنحهم اتجاه الحياة وطعمها.
في الأمس غير البعيد، رأينا كيف تداعت أسراب النازحين العراقيين من أبناء قرى مدينة الموصل، بعدما دحرت داعش وطردت. عادوا بكل لهفتهم وشوقهم، وقد كانت كثير من بيوتهم حطاما، لكنهم عادوا يتلذذون بمعنى روح البيت، وفحواه. 
وهنا سيبقى السؤال المفتوح كجرح حارق. أين هي أسراب اللاجئين السوريين. أين هم؟ كيف لم تكتظ بهم بوابات الحدود حتى بعد فتحها؟ لماذا لم يعودوا إلى أعشاشهم وهذه الطريق مشرعة إليها؟ من يمسك بهم؟ لماذا كسروا آفاق التوقع، ولم يعد منهم، حتى بعد قرابة شهر على فتح الحدود، إلا بضعة مئات فقط؟. لماذا لم نر إلا سرابهم؟؟؟
سيقول لنا من  يتدرعون ويختبئون وراء نظرية المؤامرة، إن ثمة مستفيداً من عدم عودتهم. وهنا سنضحك ملء الوجع والسخرية: يا رجل لا أحد مستفيد إلا النظام، الذي تبرئونه وترشون السكر فوق مآسيه.
لا أشكّ للحظة بأشواق اللاجئين السوريين إلى بيوتهم، أو حتى إلى بقاياها أو ركامها، باشواقهم إلى أروحهم المتروكة هناك. إلى ظلال شرفاتهم ومساءاتهم، إلى بساتينهم، وحواكيرهم. لكنهم يحجمون عن العودة؛ لأنهم يعرفون نظامهم الحاكم أكثر منا. يعرفون مدى تسامحه، ومعنى مغفرته، وتوابع تناسيه. هم أخبر منا به، وذاكرتهم تحتشد بصور عن هذا.    
وإن قال أحدهم: كيف يعودون إلى ركام البيوت وحطامها؛ فسنقول: ما المانع؟ نعم وما المانع. ما زال في المكان روح البيت، وطيفه، وذاكرته. أرواح البيوت لا تفارق المكان، إنها تتجاوز الجغرافيا، وتدخل في تاريخ القلوب. وتعين على عودة الحياة، ولكن اللاجئين يدركون معنى عودتهم. ويعرفون سبب علتهم ولبها.

رئيس مجلس الإدارة: محمد داوودية - رئيس التحرير المسؤول: مصطفي الريالات - المدير العام: الدكتور حسين العموش