الصفحات
الكاملة
تيوب
الدستور
رسالة جلالة
الملك للدستور
موقع
زوار الأردن
موقع
جلالة الملكة
موقع
جلالة الملك

حتى الزيتون يقاوم !

تم نشره في الأربعاء 7 تشرين الثاني / نوفمبر 2018. 12:00 صباحاً
فارس الحباشنة

مزارعو الزيتون لربما يكونون أكثر شوقا لهطول واندلاق المطر، هذا العام الشتوة الأولى لم تتأخر، وإن جلبت معها كارثة وفاجعة على الأردنيين أودت بحياة 21 طفلا في حادثة البحر الميت.
الزيتونة الشجرة المجللة ببركات السماء والأرض تفتح أنفاسها مع هطول المطر بما يساهم في تحسين  الانتاج وتنظيف الزرع من الغبار الفائض والكثيف على المحاصيل وحبات الزيتون التي تنتظر أيادي طاهرة لتجنيها من أغصان الزيتون المتدلية بانحناء الى الارض، عطرة برائحة العرق.
وأكثر ما تبدو ملامح مواسم الجفاف الفائتة على اشجار الزيتون المغبرة تقاوم جفاف وقحط الطبيعة والانسان، لربما أن الزيتون أكثر شجرة تعبر عن قوة وتحد بالوجود، شجرة تسرق الزمن من أي تشويه يرمي الى تغيير ملامح الارض والانسان.
في الاردن اشجار زيتون عمرها أكثر من الف عام.. صور الحضارة ومظاهرها تتسلل بين اشجار الزيتون الممتدة على جبال عجلون وجرش واودية الكرك وسهول اربد، لتقول لك إن هناك حياة حضارية ومدنية ممتدة على هذه الارض من أقدم الازمان.
زيت الزيتون الاردني ويقابله الفلسطيني المحتل من أجود أنواع الزيت في العالم، حقيقة يبدو أنها تواجه اليوم تحديات كبرى للحفاظ على مكانتها وقيمتها الزراعية والحضارية، في ظل ما يواجه مزارعو الزيتون من تحديات جمة للثبات على زراعة الزيتون.
شجر الزيتون في بلادنا قوة أناقتها بالتوحد والتشابك في صفوفها، هي صور لربما ينحصر ظهورها في المناطق التي يتدفق فيها الماء، اشجار تغمر الحياة، وتوحي للناظر اليها بانها منقطعة عن عالم الضجيج والازعاج والفوضى وعن سخافات ضوضاء البشر، ولتهنأ فعلا بهدوء غير مسبوق بين اشجار الزيتون، وهذه الصورة من وحي رحلة الى جرش ومعصرة عريقة على عتبات مدينة الأعمدة.
مزارعو الزيتون لا يواجهون قسوة الطبيعة فحسب، انما ارتفاع كلف الانتاج، فالقطاف عاد مكلفا لحد غير مسبوق، فالعامل يتقاضى بدل كليوغرام الزيتون الواحد مبلغ 50 قرشا وأكثر، ومعاصر الزيتون هي الاخرى طال كلف تشغيلها ارتفاع جنوني، فتنكة الزيت الفارغة يحتكر استيرداها البعض ويتحكم كل عام بشكل فاجع باسعارها.
ولا يخفي مزارعو الزيتون خوفهم من السياسات غير المضبوطة ازاء فتح الاسواق لمنتجات اجنبية؛ ما قد يؤدي الى اغراق السوق، وخفض سعر الزيت الاردني، والالحاق بالمزارعين خسائر فادحة، تذهب لصالح محتكرين وحيتان كبار في السوق يقومون باستغلال ظروف المزارعين البائسة ليجمعوا المحصول ويتحكموا باسعار بيعه لاحقا.
ومن يطارد ببصره أحوال الاف أشجار الزيتون المنتشرة في مدن شمال وجنوب المملكة، يلاحظ ضررا لا محدود يطارد اشجار الزيتون، وما تعاني من جفاف وقحط جراء اكثر من سبب طبيعي وبيئيء ومناخي وبشري ايضا.
ولا اعرف لماذا أشعر بحزن عظيم وفاجع عندما أرى وغيري شجرة زيتون تتعرض للابادة والاهمال ؟ لا اعرف، اشعر أن تاريخا وذاكرة وعبقا ما من تاريخ هذا الوطن ينتهك ويضرب باسفار اللامبالين بكل شيء، حتى في جمال وروعة انتصاب شجرة الزيتون كأوتاد في خواصر الوطن.

رئيس مجلس الإدارة: محمد داوودية - رئيس التحرير المسؤول: مصطفي الريالات - المدير العام: الدكتور حسين العموش