الصفحات
الكاملة
تيوب
الدستور
رسالة جلالة
الملك للدستور
موقع
زوار الأردن
موقع
جلالة الملكة
موقع
جلالة الملك

مصافحةُ ماكرون

رمزي الغزوي

الخميس 15 تشرين الثاني / نوفمبر 2018.
عدد المقالات: 1811


مثلما تطورّت عملية قرع الكؤوس، عبر مراحل الحضارة الإنسانية؛ كي ينتقل شيءٌ من ما في الكأس إلى الكأس الأخرى؛ ليطمئن الضيفُ أن لا سمَّ مدسوسًا في شرابه. كذلك تطورت المصافحة أيضاً. فاليد الممدوة الخالية من أي سلاح؛ ليست إلا رغبة مشرعة في للسلام والأمان واللقاء. المصافحة لغة صامتة تبوح وتخفي كثيراً من المشاعر، والأحاسيس، والإشارات.
لفتني في الاحتفال الذي أقيم تحت قوس النصر الباريسي بمئوية انتهاء الحرب العاليمة الأولى. لفتتني المصافحة  للرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، مع الأمريكي دونالد ترامب، المشهور بمصافحاته العدوانية، النازعة لحب التسلط والتعالي.
بعد عشرة ملايين قتيل، ودمار لا مثيل له، توقفت الحرب في تاريخ كأنه أعمدة رجاء 11/ 11/ 1918. في ذلك اليوم قالوا إن هذه الحرب جاءت لتمنع البشرية من اقتراف حروب جديدة. لكن مع كثير من الأسف فقد اندلعت بعد 22 عاما من ذلك التاريخ حرب ثانية ضاعفت الضحايا ست مرات عن سابقتها.
اليد مخزنُ الأسرار، ومكمنُ المشاعر، ومواطن الأحاسيس. والمصافحة لغة تنبئ وتخفي ما هو أكبر وأكثر. فالأصل فيها التساوي والتوازي. مع وجود الكثير من المصافحات الباردة بالطبع، كمصافحة اليد المرتخية، إذ تعكس خفوتاً وذبولا في المشاعر. ومصافحة السمكة المُنزلقة، حيث بالكاد تتلامس الأيادي لتتنافر. ولدينا السلام بأطراف الأصابع، إذ يؤشر إلى عدم تقبل الآخر.
وستبقى مصافحة القفاز الممتلئة بالمشاعر الإيجابية علامة بارزة مهمة في حياتنا، فحين تصافح شخصاً، ثم تغلف يده بيدك الأخرى، مثل القفاز، فتلك إشارة ودودة عامرة بالمحبة. وهذا النوع يحبذه الدبلوماسيون الناجحون، والقادة المتنورون. والأهم من هذا، أن أية مصافحة ستفقد معناها؛ إذا لم تلتق العيون. العيون سيدة المواقف دائماً.
أعجبني الرئيس الشاب الفرنسي الرشيق حينما صافح يد ترامب في الحفل. فقد قرأت في هذا نزعة تواقة للتميز والسيطرة.
ماكرون كان جدد دعوته إلى إنشاء جيش لحماية أوروبا، من روسيا والصين. كي تخفف اعتمادها على الولايات المتحدة الأمريكية. وهذا ما أزعج ترامب، فصافحه ماكرون بمصافحة؛ ليدرك أنه يعني ما يقول.
زعماء سبعين دولة كانوا في الاحتفال بمؤية تلك اللحظة التاريخية، حيث عولت البشرية أن تكون خاتمة للحروب. ولكن جشع الزعماء، ونزوعهم لحب السيرة، والرغبة في إخضاع الآخرين. كلها عجلت قيام حرب ثانية، ثم حروب متفرقة، لم تهدأ طبولها ومجازرها حتى اليوم. نريد يد سلام تعصرهم.

رئيس مجلس الإدارة: محمد داوودية - رئيس التحرير المسؤول: مصطفي الريالات - المدير العام: الدكتور حسين العموش