الصفحات
الكاملة
تيوب
الدستور
رسالة جلالة
الملك للدستور
موقع
زوار الأردن
موقع
جلالة الملكة
موقع
جلالة الملك

رسالة ملكية سامية حول منصات التواصل الاجتماعي

تم نشره في الخميس 15 تشرين الثاني / نوفمبر 2018. 12:00 صباحاً
الأستاذ الدكتور صلحي الشحاتيت*

وجّه جلالة الملك عبد الله الثاني ابن الحسين رسالة على موقعه على (الفيس بوك) في الثلاثين من تشرين الأول 2018 عالج فيها بعض القضايا المتعلقة بمنصات التواصل الاجتماعي، وألمح جلالته أنه ينتظر الرد على هذه الرسالة.
ولا بد لأي رسالة من توفر ثلاثة عناصر أساسية: المرسل، والمستقبل، والرسالة وما تحتويه من رموز، وإشارات، ودلالات. أما المرسل فهو رأس الدولة، جلالة الملك عبد الله الثاني ابن الحسين. وأما المرسل إليه فهو الشعب الأردني بجميع فئاته وأفراده. فالجميع أسرة واحدة، وأي إساءة لأي فرد إنما هي إساءة للقائد: «كل من يسيء إلى أردني سواء من عائلتي الأردنية الكبيرة أو الصغيرة فهو يسيء لي شخصيا». وأما الرسالة فتتعلق بالتعامل مع منصات التفاعل الاجتماعي. ولمكانة المرسل وموقعه كصاحب الولاية في البلاد ورئيس للسلطات التشريعية والقضائية والتنفيذية  دلالة عميقة، فعندما يتحدث رأس الدولة بهذه النبرة فإن الأمر جدّ خطير، ويكون قد بلغ  السيل الزَّبى، وعم الخطب واستفحل، فسارع رأس الدولة بالتوجيه، والإرشاد، والتحذير مما قد يحدث إذ ما استمر الوضع على ما هو عليه، أو ازداد سلبية. وعندما يتوجه الخطاب إلى جميع أفراد الشعب فيكون قد احتوى العديد من الإشارات التي لا بد أن نلتقطها ونتفاعل معها، ومنها ما يأتي:
* أكد جلالته على ضرورة تشجيع النقاش الهادف حول أولوياتنا وقضايانا المهمة. وفي ذلك تكريس للنهج الديمقراطي الذي يتيح لكل مواطن أن يعبر عن رأيه دون خوف من أحد، شريطة الابتعاد عن التجريح، والذم، والقدح، والتلفظ بألفاظ نابية وشتائم لا تمت لمجتمعنا بصلة.
* وأوضح جلالته ضرورة استثمار التكنولوجيا الحديثة ومواكبة أدوات العصر التي توفر صوتًا مسموعًا وفرصًا غير مسبوقة للتواصل الاجتماعي بشكل إيجابي.  وفي ذلك دعوة للارتقاء بالمجتمع علميًا وتكنولوجيًا بحيث نواكب معطيات العصر دون إساءة استخدام لها.
* وعبر جلالته عن حسن ظنّه بأبناء الوطن، قائلا: «يبقى داخل كل أردني وأردنية قيم مثلى تجسِّد أعلى معاني الأخوة والتضامن والتكامل. وهذه هي المرساة التي تبقينا ثابتين في وجه العواصف، فلا شيء يثني الأردنيين عن الالتفاف حول الوطن». والإشارة هنا إلى أن الوطن أعز شيء لدى الأردنيين ، فهم ملتفون حوله بثبات وعزيمة. وعندما عبر جلالة القائد عن حسن ظنه بالأردنيين وتمسكهم بالثوابت والقيم التي هي المرساة التي تبقينا ثابتين في وجه العواصف، فإن على كل مواطن محب لوطنه أن يكون على قدر حسن ظن القائد به، وعلينا جميعا أن نلتف بصدق وثبات حول الوطن وقيادته.
* وحذر جلالته من محاولة قلة من المواطنين خلخلة ثبات المرساة على منصات التواصل الاجتماعي. وفي هذا تحذير من القائد إلى شعبه بعدم السير وراء هذه الفئة التي قد تقود الوطن والمواطن إلى المجهول. فاستخدام هذه المنصات مسؤولية مشتركة بين أفراد المجتمع كلهم، لأن سوء استخدامها قد يوصلنا جميعًا إلى مشكلات معقدة نحن في غنى عن مواجهتها.
* وبين جلالته الفرق بين النقد والإساءة والتجريح، فيقول: «يجب أن نفرق بين نقد الأداء والمطالبة بتحديد المسؤوليات وبين الإساءة بالشماتة والسخرية بحق من فقدناهم في حادثة البحر الأحمر». وتساءل جلالته: «ما علاقة أصحاب هذه الآراء بالمجتمع؟!». نعم، إن ما أصاب كل مواطن في الأردن بسبب حادثة البحر الميت هو هول كبير، وسيطر الحزن على مشاعر الناس ودخل إلى كل بيت في الأردن، وإنما يدل ذلك على وحدة المشاعر التي تربط أبناء الوطن، وإن كان هناك قلة قليلة شذّت عن نهج الجماعة، فلا بد من تصويب مسارهم ليسيروا مع الركب، فلا نقبل بيننا من يشمت في مصابنا أو يرقص على صراحنا.
* وحمل جلالته على مروجي الشائعات وعلى الذين يلهثون وراء الأخبار والمعلومات الزائفة، وهذه آفة أصابت كثيرًا من الدول الغربية، وبيّن جلالته نقلًا عن دراسة لمعهد ماساتشوتست للتكنولوجيا أن الأخبار الملفقة على تويتر تتجاوز 70 % مقارنة بالحقيقة. وإيراد هذه المعلومة يشي بحرص جلالته على وصول المواطن إلى الحقيقة كاملة، لذلك فإن علينا فلترة البيانات الواردة في منصات التفاعل الاجتماعي والتأكد من المعلومة قبل نشرها ونقلها إلى الآخرين.
* وشدد جلالته على ضرورة وضع تشريعات تضمن حق الفرد في التعبير بعيدًا عن اختراق الخصوصيات واغتيال الشخصيات، وضرورة تطبيق القوانين التي تردع المسيء عن إساءته. وفي هذا تعبير عن وجود مشكلة أخلاقية لدى بعض الناس في التعامل مع منصات التفاعل الاجتماعي، هذه الفئة التي تعطي لنفسها الحق في التشهير بالآخرين دون بينة واضحة. وهؤلاء سيحوّلون هذه المواقع الإلكترونية من منصات للتفاعل الاجتماعي إلى منصات للتناحر الاجتماعي، ولنتخيل حال مجتمعنا عندما يتحول التفاعل الاجتماعي الذي هو ضرورة إنسانية إلى تناحر وتنازع بين أفراد المجتمع الواحد.
* وأشار جلالته إلى الدور الكبير الملقى على عاتق الحكومات. كما أشار إلى دور شركات منصات التواصل الاجتماعي ودور المنابر الإعلامية في الحد من مخاطر استخدام منصات التواصل الاجتماعي، وتوجيهها إلى الوجهة الصحيحة التي تضمن سلامة الوطن والمواطن.
* وتساءل جلالته: «ما هو مستقبل مجتمعنا إن نبذنا العقلانية والمنطق، وآثرنا الإشاعة على الحقيقة؟ وإن كان حديثنا مبنيًّا على الأكاذيب والشائعات؟ وإن أصبح اغتيال الشخصيات أمرًا مقبولاً؟». وهنا، يدق جلالته ناقوس الخطر الذي يحدق بالوطن والأمة إن واصلنا الاعتماد على الشائعات والأكاذيب واتهام الأفراد، بحيث ينصّب كل فرد من نفسه محققًا، وقاضيًا يقضي وفق هواه محيّدًا القوانين، والتشريعات، والجهات المختصة بها.
* وأخيرًا دعا جلالته - ونحن على أعتاب مئوية تأسيس الدولة الأردنية- إلى الاستفادة من أدوات العصر وتسخيرها لصالحنا وأن نثريها بصبغة أردنية تعكس هويتنا وقيمنا الأخلاقية، فالأوطان لا تبنى بالتشكيك وجلد الذات، بل بالعزم والإرادة والعمل الجاد. وفي هذا دعوة من جلالته لولوج المستقبل بالتفاؤل والأمل مزودين بأدوات العصر التي تكفل لنا مواكبة التقدم الحضاري الإنساني الذي لا يتم إلّا بالعمل الجاد بعيدًا عن التنازع والفرقة.
هكذا، نرى في هذه الرسالة أن جلالته استشعر بعقل القائد، وقلبه، وإحساسه العميق بالوطن بحجم المشكلة التي قد تواجه الوطن والمواطنين بسبب الاستخدامات السلبية لمنصات التواصل الاجتماعي، فأوضح بما لا يبقي مجالًا للشك هذا الخطر، وكيفية مواجهته حتى نضمن في وطننا حياة قائمة على حرية التعبير دون المساس بالثوابت والقيم الأصلية التي ورثناها ودون الإساءة إلى الآخرين؛ وإلّا ستتحول هذه المواقع الإلكترونية من منصّات تفاعل اجتماعي إلى منصات تناحر اجتماعي، قد يتحول من تناحر داخل المجتمع الافتراضي لهذه المنصات إلى تناحر داخل المجتمع الحقيقي. 
   
 * رئيس جامعة العقبة للتكنولوجيا

رئيس مجلس الإدارة: محمد داوودية - رئيس التحرير المسؤول: مصطفي الريالات - المدير العام: الدكتور حسين العموش