الصفحات
الكاملة
تيوب
الدستور
رسالة جلالة
الملك للدستور
موقع
زوار الأردن
موقع
جلالة الملكة
موقع
جلالة الملك

أسئلة في القصة الأردنية والعالمية

تم نشره في الجمعة 16 تشرين الثاني / نوفمبر 2018. 12:00 صباحاً

الشاعر والناقد عبدالرحيم جداية
إضاءة:
القصة ليست وصفا، وسردا، فهي تأمل يعيد إنتاج الواقع، وسعة في الخيال، وأساليب تفكير تطور الإنسانية في نظرتها إلى الواقع ونقده.
القصة في خطر، إلا إذا أشغل القاص مدارك القراء، وأطلق رؤاهم.   
لا تكتب ليقال أنك قاص، بل اكتب لتكون قاصا.
سؤال:
كيف يفكر القاص عند كتابة قصته؟
توطئة:
حتى نتعرف الى القصة، علينا ان نعرف عقل القاص، وهذا ما جاء به الفلاسفة في نقد العقل المحظ عند كانت، ليسأل الناقد كيف يفكر القاص، وهل يحمل الواقع قي قصته رسما واقعيا، دون نقد الصورة المشوه، التي يعيشها المجتمع؟ وما علاقة التأمل بالتألق القصصي؟ وما علاقت الإنفجار المعرفي بتأثيث البناء القصصي؟ هل القاص هو الناقد الأول لقصته، ام يضمن رؤيته القصصيه بالنظرة العقلية للناقد، والرؤية الفلسفية المثالية، عند أفلاطون في نقد الواقع.   
حتى نتعرف إلى القصة الأردنية، وما المعايير التي تندرج تحتها في اطار الجودة، او الهبوط؟ فعلى الناقد والقاص، أن يقرأ الفكر العالمي للقاصين، في مختلف بقاع الارض، علنا نتعرف إلى إرنست همنجواي كيف يفكر، ومن اين يستل تلك التفاصيل الصغيرة، في عملة القصصي والروائي؟
لا بد أن العظماء في عالم القص، قد تتبعوا منهجية أوصلتهم للعالمية، فالصدفة تنتج عملا واحدا جيدا، ولكن الصدفة لا تصنع مشروعا قصصيا يوصل إلى العالمية، فما الذي تميز به القاصون الروس، الذين أسسوا للمدرسة الواقعية للقصة، وأسسوا للواقعية الإشتراكيه؟ فهل يكفي أن ندرس منتجهم القصصي، لنتعرف إلى مشاريعهم الإبداعية، ام علينا أن ندرس بالإضافة إلى ذلك، أقوالهم التي تمثل خلاصة التجربة القصصية، و الروائية في عالم القاص المبدع.
أسئلة حرجة:
ما وجهة النظر، أو الرأي، الذي يقدمه القاص، من خلال فكرة يطرحها قابلة للتأويل؟
تختلف وجهات النظر بين الناس، كما يختلف التأويل من شخص لآخر، ليبقى التأويل نهجا في القص القرآني، فالتأويل رد الغيب إلى الواقع، وهذا مما علمه الله ليوسف عليه السلام، عندما جاءه في السجن الذي قال»إني أراني اعصر خمرا» فرد له يوسف عليه السلام، ما كان رؤيا من الغيب، إلى واقع أن أصبح الساقي عند ملك مصر.
أما التوسم فهو رد الواقع إلى الغيب، ومثال ذلك سيدنا علي، عندما خرج فجرا في الكوفة، صاحت عليه أوزات سود فقال علي:»اليوم صياح وغدا نواح»، فكان مقتله في ذلك اليوم، وهذه النماذج الغيبية التأويلية، والتوسمية، نماذج في حركة خط القدر، مما يشجع القاص على محاولة وعي الغيب، من خلال الواقع في سرده القصصي التنبؤي، الذي يصدم القارئ، بالقدرة القصصية على المزج بين المرئي، والمتخيل، في إطار قصصي، يأخذ القارئ بين غيبين، وبين واقعين.
في هذه التقنيات، يستطيع القاص الوصول إلى العالمية، كما وصل باولو كويلو في رواية الخيميائي، التي قامت على حلم أحد الرعاة في إسبانيا، وحلم أحد العمال في مصر، مثل هذه التقنيات التنبؤية المدهشة، تحتاجها القصة الأردنية، بحرفية عالية، لتأخذ القصة مكانتها الصحيحة في الأدب العربي والعالمي.
ما مدى قدرة القاص، على استدراج القارئ، وإقامة الحجة عليه في نصه القصصي؟
الإستدراج أسلوب فني، يقدم القاص إشارة، أو علامة، يضمنها مسار القصة، ليستدرج القارئ إلى التفكير، من خلال هذه المؤشرات، وعلاقتها بالقارئ، معدلا مساره للتأمل، بحثا في إتجاه جديد لتطوير الكتابة، مستدرجا القارئ إلى وجهة نظره الجديدة المعدلة، مقيما الحجة على القارئ.
هذا ما طرحه الدكتور مصطفى محمود، في رحلته إلى الإيمان، أنه كان يطيل السهر ويصحو متأخرا، فجاءه هاتف في نومه، أن صديقيه يمشيان ويتحدثان في أحد شوارع القاهرة، قاطعه رنين الهاتف من صديقه الذي رآه في المنام، وقص عليه الحكاية، فأكد له صديقه دقة تلك التفاصيل، سقط الهاتف من يديه، وهو يتأمل تلك الإشارة الإلهية، حينها بدأ بقراءة القرآن، موقنا أن الله يستدرجه إلى حقيقة ما، وإن رفض فقد أقام الله عليه الحجة في تلك الإشارة الربانية.
ما تضمره الأقوال: استشعار المهمل:
وهذا الاستشعار للمهمل اليومي هو الذي ايقضه دستوفسكي في قوله:
«ماذا لو كان العنكبوت الذي قتلته يظن طول الوقت أنك رفيقه في السكن»
يقدم دستوفيسكي في مضمر قوله نصا قصصيا قصيرا موجزا ومكثفا حداثيا لمن يسعى إلى الحداثة ويظنها مجرد كلمات لا تحوي معنى عميقا.
فما قدمه دستوفيسكي خلاصة تجربته القصصية، والروائية، والحياتية، والإبداعية، مستفيدا من المهمل، الذي لا يستشعره إلا أصحاب العيون البصيرة، والأحاسيس الواعية، التي أنجزت علاقة جدلية، بين سلوك العنكبوت الغريزي، والسلوك البشري الوحشي، في نظرة حدسية تأملية، حقا ماذا لو كانت الحشرات تعتقد أن الإنسان صديقها، ورفيقها في السكن.
أنى للشباب والمبتدئين، أن يملكوا هذه الخبرة في التكثيف القصصي، خاصة أولئك الذين يكتبون القصة القصيرة جدا، والقصة الومضة، عليهم أن يعودوا مجددا إلى نصوصهم القصصية، مقارنين ومقاربين بين نصوصهم، وما قدمه لنا دستوفيسكي، من رؤى حدسية، غيبية، بكلمات عبرت، عن تجربة حياتية واعية.
كن المستقبل:
«لو كنت ترغب في قراءة كتاب لم يكتب بعد، فما عليك إلا أن تبدأ بكتابتة بنفسك»
هذه العبارة من توني موريسون، الروائية الامريكية، ذات الأصول الإفريقية، هو دعوة واضحة للقادمين في عالم القص، ألا يعيدوا ما أنتجه العظماء، فيكونون نسخا مشوهة، وهي دعوة منها أن ينزعوا إلى الحاضر، ويقرؤن الماضي، ليكونوا المستقبل في كل نص جديد يكتبه القاص، حتى لا يكرر نفسه، ويخرج من دائرة الرؤيا، فيقبعوا في الماضي ولا يفتقده أحد، أو يكون المستقبل مشكلا ذاته في عالم القص الجميل.
الجلي والخفي:
نحتسي القهوة صباح مساء، فرادى أو في مجموعات، فرائحة القهوة الجلية، تشد الشاربين ليتذوقوها، فهل تتساوى المتعة عند الجميع، أم أن أحدهم الذي يملك إحساس القاص ورؤيته، هو الذي يحول هذا الموضوع الحياتي الجلي، إلى قصة متميزة، والخفي تلك القهوة التي تفقد رائحتها، فلا تتلقاها بحاسة الشم، ولكن واحدا فقط هو الذي يستطيع أن يحيل الخفي في القهوة إلى إبداع قصصي، فأيهما أكثر إبداعا، الجلي الظاهر للعيان، أم الخفي الذي رأى ما رآه السامري فأخذ قبضة من أثر تراب الملاك، وألقاه على عجل معدني من ذهب، ليسمع الحاضرون خواره.
السينما العالمية    / فيلم أمريكي قديم: «إنني أتحدث كثيرا ولا أقول شيئا»
في هذه الجملة الموحية، التي نظرت لها الكاتبة الامريكية سوزان سونتاغ، والتي لخصت قصة الفيلم، لرجل كان على مسار الفيلم، يتحدث بأشياء لكنه لم يوصل الفكرة، فلم يقل الكاتب مباشرة عن عجزه في التواصل الاجتماعي، واستقطاب الآخر، وطرح أفكاره وكلامه، الذي لم يستمع إليه أحد، فقال في نهاية الفيلم، معبرا عن مشكلته في التواصل جملة واحدة، لخصت حكايته «إنني أتحدث كثيرا ولا أقول شيئا».
وهذا النموذج دعوة للقاصيين، والروائيين، للإهتمام بقيمة الجملة في النص القصصي، وتكثيفه لتعبر الجملة في جملة واحدة، عن الحالة النفسية والإجتماعية للإنسان المضطهد، والإهتمام أيضا بالجملة الإفتتاحية للنص، وقدرتها على تحريك النص، في الإتجاه الإبداعي، والفكرة العظيمة، التي يريد القاص تقديمها للمجتمع، بمعان، ودلالات تدين المجتمع، من خلال القارئ، الذي يستوحي الإدانة بنفسه، دون التعريض بجمل مباشرة، في نقد العقل المجتمعي.
الشعر والقاص:
استفاد الشعر من الأسلوب القصصي، في تشكيل رؤيا إبداعية، أوصلت الشعر إلى تجليات في المضامين الإنسانية المختلفة، فالأدب بأبوابه، لا قيمة له بعيدا عنالإنسان ومشكلاته
نماذج من القصص العالمية:
قصة في ضوء القمر للقاص الإيطالي جي دي موبسان
كثيرون من عاش القمر بمنازله، من محاقه حتى إكتماله بدرا، وقد وظف القمر في الشعر العربي، لتشبيه الحبيبة بالقمر، وقد كتب بتهوفن معزوفته الرائعة لحبيبته في ضوء القمر، ونهج نفس النهج في ربط القمر بالحبيبة، لكن جي دي موبسان القاص الإيطالي، المؤسس لكلاسيكيات القصة، كما ذكر رشاد رشدي في كتابه فن القصة،
نسأل ما الجديد الذي قدمه موبسان في قصته في ضوء القمر، فعندما خرج القسيس باحثا عن بنت أخته، وجدها جالسة مع حبيبها في ضوء القمر، ليستشعر القسيس على لسان موبسان قدسية اللحظة، فعاش الخشوع والجلال، ناظرا إلى السماء، وكأنه يرى القمر لأول مرة في حياته.
لم يقلد موبسان أحدا في الأدب، بل كان منتجا في قصته لرؤية حدسية، وإحساس بالغيب، لم يسبقه إليه أحد، فكان موبسان مركز الدائرة، وظل موبسان المستقبل، رغم العقود التي مرت على كتابة هذه القصة.
قصة آنا زيغرز الألمانية:
التي ترجمها علي عودة من مختارات قصصية، بعنوان معطف الزنديق، وفي هذه القصة، يختبر القارئ فكرة القومية الألمانية، التي أسسها الأدباء الألمان، باسم النازية منذ القرن التاسع عشر، حيث تم تحديد القومية الألمانية لكل ناطق بالألمانية، في التشيك وسويسرا وإيطاليا، وفي اي مكان بالعالم يكتب بالالمانية، فهو قومي ألمان.
دفاعا عن هذه الفكرة، كتبت آنا زيغرز قصتها الشهيرة المخبأ، والتي تدين بها الإستعمار الإسباني، لجزيرة هاييتي دون أن تذكر كلمة استعمار، أو سلاح أو إستعباد أو سلطة، كذلك أرادت آنا زيغرز أن تعلي من شأن القومية الألمانية، مقابل القومية الإسبانية، والقوميات الاستعمارية، في ذلك الوقت فكتبت قصتها المخبأ، والتي ملخصها أن السفن الإسبانية عادت محملة بالذهب، ومعهم فتيات عذروات، تم جلبهن من جزيرة هاييتي هدية إلى ملكة إسبانيا
وما حاجة الملكة إلى النساء، فقدمت الفتيات أعطيات لوزرائها، وبعد أن مل الوزراء من الفتيات قدموهن هدية لأعوانهم.
هكذا قدمت آنا زيغرز الاختلال في القوميات المستعمرة، وعلى رأسها إسبانيا، بنقد الفكر الإسباني، في حقوق المرأة، واستعبادها، وتحويلها الى سوق النخاسة، ونهب الخيرات، والذهب من الجزر والدول الصغيرة.
وقد أبدع شكسبير في مسرحيته تاجر البندقية، عندما أدان شارلوك اليهودي، بعبقرية بعيدا عن الشتم والذم والقدح، وجعل القارئ هو من يحكم على دونية اليهودي،
لم يعد الأسلوب المباشر مجديا في نقد السلوك، ونقد العقل الإستعماري، وهذا ما ذهب إليه المفكر الفلسطيني إدوارد سعيد، في كتابه الإستشراق، إذ واجه العقل بالعقل، والفكر بالفكر، لإدانة القوميات الإستعمارية.
ختاما:
على القاص أن يطرح أسئلته الحرجة، في نقد التغير المجتمعي، ونقد السلطة، كما عليه أن يختار نماذجه المضمرة، التي تشكل تجاربها روحا إبداعية، ولا يقف عند النماذج الإبداعية في القصة العالمية، بل عليه تجاوزها لتشكل رؤاه، وتوسماته بين الغيب والواقع جوهره الإبداعي، فاتحا نافذته على العالم، باستدراج القارئ وإقامة الحجة عليه، وهذا لا يتأتى للقاص إلا إذا أخلص لمشروعه القصصي.
وأختم بالسؤال: كيف يفكر القاص عند كتابة قصته؟

رئيس مجلس الإدارة: محمد داوودية - رئيس التحرير المسؤول: مصطفي الريالات - المدير العام: الدكتور حسين العموش